بوابة أنا آدم

سامر شقير: تفوق اليابان على الصين في إصدارات الديون يعكس قوة القطاع الخاص

الأربعاء 8 يوليو 2026 07:27 مـ 22 محرّم 1448 هـ
سامر شقير
سامر شقير

قال رائد الاستثمار سامر شقير إن المشهد الذي يطل على منطقة مارونوتشي وأوتيماتشي في قلب العاصمة اليابانية طوكيو لا يعكس مجرد تجمع لناطحات السحاب أو مقار لمؤسسات مالية عالمية، بل يجسد منظومة اقتصادية متكاملة استطاعت عبر عقود من الانضباط المؤسسي والتراكم الرأسمالي أن تحافظ على دورها المحوري في تمويل الاقتصادات الآسيوية.

وأوضح شقير أن الأبراج التي تحتضن مقار أكبر البنوك وشركات الاستثمار، بينما يلوح جبل فوجي في الخلفية بقمته الثلجية، تقدم صورة رمزية لقوة مالية هادئة، تنطلق منها قرارات استثمارية طويلة الأجل أسهمت في استحواذ الشركات والمؤسسات اليابانية على نحو 40% من إجمالي إصدارات الديون الخارجية في آسيا خلال الربع الثاني من العام الجاري، وهو ما ساعد في دفع قيمة تلك الإصدارات إلى مستوى قياسي بلغ 154 مليار دولار.

طوكيو تجسد القوة المالية اليابانية

وأشار سامر شقير إلى أن الكثافة العمرانية في قلب العاصمة اليابانية تعكس حجم الثروة والخبرة المالية المتراكمة داخل البلاد، حيث تتمركز مقار بنوك عملاقة مثل ميتسوبيشي يو إف جي وميزوهو وسوميتومو ميتسوي، إلى جانب شركات التأمين الكبرى وصناديق التقاعد التي تدير أصولاً تتجاوز تريليونات الدولارات.

وأضاف شقير أن هذه المؤسسات لا تعتمد على استثمارات قصيرة الأجل، وإنما تتبنى استراتيجية استثمارية طويلة المدى تسمح لها بشراء السندات الآسيوية والاحتفاظ بها لسنوات، وهو ما يوفر للأسواق الناشئة مصادر تمويل مستقرة وسيولة أقل تأثراً بالتقلبات الاقتصادية.

جبل فوجي يعكس فلسفة رأس المال الصبور

وأكد سامر شقير أن ظهور جبل فوجي في خلفية المشهد لم يكن مجرد عنصر جمالي، بل مثل رمزاً للاستقرار والانضباط اللذين يميزان الاقتصاد الياباني، موضحاً أن قدرة اليابان على إعادة البناء بعد الأزمات والكوارث، إلى جانب ثقافتها المؤسسية طويلة الأمد، أسهمت في بناء ما يعرف بـ"رأس المال الصبور"، الذي يختلف عن التدفقات المالية السريعة التي تتأثر بالتغيرات السياسية والدورات الاقتصادية القصيرة.

وأشار إلى أن هذا النهج جعل الطلب الياباني على السندات الآسيوية أكثر استدامة، وأقل عرضة لعمليات الانسحاب المفاجئ التي قد تشهدها أسواق المال العالمية.

لماذا تفوقت اليابان على الصين؟

وقال سامر شقير إن الصين ما زالت تمتلك احتياطيات مالية ضخمة وتؤدي دوراً محورياً في تمويل آسيا عبر مبادرة الحزام والطريق، إلا أن طبيعة التدفقات اليابانية تختلف بصورة جوهرية.

وأوضح شقير أن الاستثمارات اليابانية في سوق السندات الآسيوية يقودها القطاع الخاص والمؤسسات الاستثمارية التي تسعى إلى تنويع محافظها الاستثمارية بعد سنوات من انخفاض العوائد داخل اليابان، وهو ما يجعل هذه التدفقات تجارية في الأساس، وتخضع لمعايير ائتمانية دقيقة، فضلاً عن أنها تحظى بثقة العديد من الأسواق الآسيوية باعتبارها رأس مال محايداً بعيداً عن الاعتبارات الجيوسياسية.

وأضاف أن التدفقات الصينية تواجه في المقابل تحفظات متزايدة في بعض الأسواق بسبب شروط التمويل والمخاوف المرتبطة بما يعرف بـ"فخ الديون"، إلى جانب القيود الرأسمالية داخل الصين واعتمادها بصورة أكبر على الإقراض المباشر عبر البنوك الحكومية، وهو ما يمنح اليابان أفضلية واضحة في سوق إصدارات السندات الدولية.

التراجع في الترتيب لا يعني تراجع النفوذ

وأشار سامر شقير إلى أن بيانات وزارة المالية اليابانية الصادرة في مايو 2026 أظهرت وصول صافي الأصول الخارجية لليابان إلى 561.8 تريليون ين، بما يعادل نحو 3.5 تريليون دولار، وهو أعلى مستوى في تاريخها.

وأضاف شقير أن الصين تجاوزت اليابان لتصبح ثاني أكبر دولة دائنة في العالم بعد ألمانيا، بينما تراجعت اليابان إلى المركز الثالث، إلا أن هذا التغيير في الترتيب لا يعكس تراجعاً في التأثير الاقتصادي.

وأوضح أن استمرار اليابان في قيادة إصدارات الديون الآسيوية يؤكد احتفاظها بميزة تنافسية قوية داخل الأسواق الأسرع نمواً، خاصة مع توجه المستثمرين اليابانيين تدريجياً نحو الاقتصادات الآسيوية للاستفادة من الفجوة الكبيرة بين معدلات النمو الإقليمية والعوائد المحدودة داخل السوق اليابانية.

انعكاسات إيجابية على اقتصادات آسيا

وأكد سامر شقير أن الطلب الياباني القوي على السندات يوفر للحكومات والشركات في دول مثل إندونيسيا والهند وفيتنام والفلبين مصادر تمويل إضافية، ويسهم في تنويع قاعدة المستثمرين، الأمر الذي يقلل الاعتماد على جهة تمويل واحدة سواء كانت صينية أو غربية، ويساعد في خفض تكاليف الاقتراض على المدى المتوسط.

وأضاف شقير أن المستثمرين اليابانيين يستفيدون بدورهم من تحقيق عوائد أعلى مقارنة بالسوق المحلية، بما يدعم أرباح المؤسسات المالية وصناديق التقاعد التي تواجه تحديات ديموغرافية داخل اليابان، فضلاً عن مساهمة هذه التدفقات في تعزيز التكامل الاقتصادي الآسيوي، بالتزامن مع توسع استراتيجيات "الصين +1" وإعادة هيكلة سلاسل التوريد العالمية.

مستقبل التدفقات اليابانية

وأوضح سامر شقير أن استمرار تطبيع السياسة النقدية اليابانية وارتفاع العوائد المحلية تدريجياً قد يدفع جزءاً من رؤوس الأموال إلى العودة للسوق المحلية، خاصة إذا تسارعت عمليات تفكيك تجارة الين.

لكنه أكد أن العوامل الأساسية ما تزال تدعم استمرار الاستثمارات اليابانية في آسيا، وفي مقدمتها الحاجة إلى تحقيق عوائد أعلى لتمويل التزامات صناديق التقاعد، والخبرة الطويلة التي تمتلكها المؤسسات اليابانية في الأسواق الآسيوية، إضافة إلى العلاقات التجارية والاستثمارية المتينة التي بنتها اليابان مع دول المنطقة على مدار عقود.

دروس مهمة لدول الخليج

وأشار سامر شقير إلى أن تجربة اليابان تقدم نموذجاً مهماً لدول الخليج التي ترتبط معها بعلاقات استراتيجية طويلة الأمد في مجالات الطاقة والتكنولوجيا، موضحاً أن فلسفة "رأس المال الصبور" تمثل نموذجاً ناجحاً في توظيف الفوائض المالية لتحقيق عوائد مستدامة مع دعم الاستقرار الاقتصادي الإقليمي.

وأضاف شقير أن الشراكات الثلاثية التي تجمع دول الخليج واليابان والاقتصادات الآسيوية في مشروعات البنية التحتية والطاقة النظيفة قد تصبح أحد أهم مسارات النمو خلال السنوات المقبلة، في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها الاقتصاد العالمي.

رأس المال الهادئ يرسم مستقبل آسيا

واختتم سامر شقير حديثه بالتأكيد على أن أفق العاصمة اليابانية لا يروي قصة أرقام قياسية فحسب، بل يعكس نموذجاً اقتصادياً قائماً على التخطيط طويل الأجل والانضباط المؤسسي.

وقال شقير إن التدفقات المالية التي تنطلق من المؤسسات اليابانية نحو الأسواق الآسيوية أصبحت أحد أهم العوامل المؤثرة في تمويل النمو الاقتصادي بالقارة، مؤكداً أن اليابان أثبتت مرة أخرى أن النفوذ الاقتصادي لا يُقاس فقط بحجم الاحتياطيات أو التصنيفات العالمية، بل أيضاً بقدرة رأس المال على بناء شراكات مستقرة ومستدامة تدعم التنمية لعقود قادمة.