سامر شقير: مشاهد الالتفاف حول محمد صلاح تؤكد أن الرياضة أصبحت صناعة رأسمالية عملاقة
قال رائد الاستثمار سامر شقير إن المشاهد التي أظهرت تجمعات جماهيرية ضخمة لمشجعي المنتخب المصري ونجمه محمد صلاح في شوارع مدن مثل أتلانتا ودالاس خلال منافسات كأس العالم 2026، كشفت بوضوح عن القوة المتنامية للاقتصاد التجريبي (Experiential Economy) الذي تقوده الرياضة العالمية، مؤكداً أن هذه الحشود الاستثنائية عكست تحولاً جوهرياً في سلوك المستهلكين نحو التجارب الحية، وهو ما يولد تدفقات رأسمالية ضخمة تمتد آثارها إلى قطاعات الضيافة والنقل والإعلام والتجزئة.
وأضاف شقير أن هذه الديناميكية تمثل رسالة استراتيجية للمستثمرين المؤسسيين وصناديق الثروة السيادية في الخليج، إذ إنها تكشف عن الفرص الاستثمارية الواعدة التي ترتبط باستضافة المملكة العربية السعودية لبطولة كأس العالم 2034 في إطار رؤية 2030، موضحاً أن الاستثمار في البنية التحتية الخاصة بالتجارب الرياضية والسياحة الثقافية سيحدد الجهات القادرة على قيادة اقتصاد المنطقة خلال المرحلة المقبلة.
الرياضة تتحول إلى محرك اقتصادي عالمي
وأشار سامر شقير إلى أن بطولة كأس العالم 2026 سجلت أرقاماً قياسية في الحضور الجماهيري بعدما تجاوز إجمالي الحضور خلال مرحلة المجموعات 4.6 مليون مشجع، متخطياً الرقم القياسي السابق المسجل في نسخة عام 1994 التي استضافتها الولايات المتحدة.
وأوضح شقير أن هذه الأرقام لم تعكس الشعبية التقليدية لكرة القدم فحسب، بل أبرزت أيضاً التأثير الاقتصادي الكبير الذي يصنعه اللاعبون النجوم، وفي مقدمتهم محمد صلاح، إذ ساهموا في جذب أعداد من الجماهير تجاوزت في حجمها وحماسها ما شهدته مباريات شارك فيها لاعبون آخرون.
وأكد أن التجمعات الجماهيرية في الساحات العامة والفنادق، كما أظهرتها الصور، ولّدت إنفاقاً مباشراً وغير مباشر تُقدر مضاعفاته الاقتصادية بما يتراوح بين 3 و5 أضعاف قيمة التذاكر وحدها، وفق تقديرات الاتحاد الدولي لكرة القدم والبيانات المحلية للمدن المستضيفة.
وأضاف شقير أن الاقتصاد الرياضي أصبح اليوم قطاعاً استراتيجياً يجذب رؤوس الأموال المؤسسية الباحثة عن عوائد مستقرة ترتبط بالنمو السكاني والتحول الرقمي، لافتاً إلى أن أسواق الإعلام الرياضي وحقوق البث تحقق نمواً سنوياً يتجاوز 8%، في الوقت الذي يتسارع فيه الطلب العالمي على التجارب الحية منذ انتهاء جائحة كوفيد-19.
تأثير محمد صلاح يعيد توجيه الاستثمارات
وأوضح سامر شقير أن الصورة كشفت بوضوح ما يعرف بـ"تأثير النجم" (Star Power)، حيث إن تجمع آلاف المشجعين المصريين حول محمد صلاح لم يكن مجرد تعبير عن الولاء الرياضي، وإنما عكس دورة اقتصادية كاملة شملت الإنفاق على السفر والإقامة والطعام والمنتجات التذكارية.
وأضاف شقير أن هذا النمط دفع المستثمرين إلى إعادة تقييم كيفية تخصيص رؤوس أموالهم، مع التركيز بصورة أكبر على الأصول المرتبطة بالتجارب الحية، مثل الفنادق الفاخرة، ومراكز الترفيه، ومنصات بيع التذاكر الرقمية، وتقنيات تعزيز تجربة المشجعين، بما في ذلك تطبيقات الواقع المعزز والمنصات التفاعلية.
وأكد أن دول الخليج، التي تعمل على تنويع مصادر الدخل بعيداً عن النفط، تمتلك فرصة كبيرة للاستثمار في مشاريع المدن الرياضية والترفيهية داخل نيوم وجدة، إضافة إلى الشراكات مع الأندية العالمية.
وقال شقير إن الاستثمار في البنية التحتية القادرة على تحويل الجماهير إلى مستهلكين دائمين يمثل المفتاح لتحقيق عوائد مستدامة تتجاوز في جدواها الاستثمارات التقليدية في العقارات أو الطاقة.
القطاعات الأكثر استفادة والأكثر تعرضاً للمخاطر
وأشار سامر شقير إلى أن قطاع الضيافة والسياحة يأتي في مقدمة القطاعات المستفيدة، في ظل الارتفاع الكبير في الطلب على الغرف الفندقية والخدمات اللوجستية داخل المدن المستضيفة، موضحاً أنه من المتوقع أن يسهم قطاع السياحة بنسبة كبيرة في الناتج المحلي السعودي بحلول عام 2030 مدعوماً باستضافة الفعاليات الرياضية العالمية.
وأضاف شقير أن قطاع الإعلام وحقوق البث استفاد أيضاً من تسجيل أرقام مشاهدة قياسية عبر المنصات الرقمية، الأمر الذي رفع من قيمة حقوق البث والإعلانات والرعاية.
كما أوضح أن قطاع التجزئة والسلع التذكارية شهد قفزات كبيرة في مبيعات قمصان اللاعبين والمنتجات المرتبطة بمحمد صلاح وغيره من النجوم، في حين استفادت مشاريع البنية التحتية والنقل من الحاجة إلى تطوير المطارات والطرق والملاعب الذكية لاستيعاب الحشود المتزايدة.
وفي المقابل، لفت شقير إلى أن شركات الترفيه المنزلي التقليدية قد تواجه منافسة متزايدة من التجارب الحية، كما أن بعض الصناعات التحويلية التقليدية قد تشهد انتقال جزء من رؤوس الأموال نحو الاقتصاد التجريبي.
تحول في فلسفة تخصيص رأس المال
وأوضح سامر شقير أن الأسواق العالمية تشهد تحولاً متزايداً نحو الاستثمار في الأصول غير الملموسة، وعلى رأسها العلامات التجارية الرياضية ومنصات التفاعل الجماهيري، مبيناً أن المستثمرين المؤسسيين باتوا يفضلون الشراكات طويلة الأجل مع الاتحادات الرياضية والأندية بدلاً من الاستثمارات قصيرة المدى.
وأضاف شقير أن السياق السعودي يبرز فيه الدور المحوري الذي يقوم به صندوق الاستثمارات العامة في تمويل المشاريع الرياضية الكبرى، وهو ما يفتح المجال أمام شراكات استثمارية واسعة مع رواد الأعمال والمستثمرين.
وقال إن الجماهير التي تتجمع حول محمد صلاح ليست مجرد متابعين للمباريات، وإنما تمثل محركاً اقتصادياً متكاملاً يحتاج إلى استثمارات ذكية في البنية التحتية الرقمية والمادية، بما يحول هذا الحماس إلى قيمة اقتصادية مستدامة، داعياً المستثمرين في الخليج إلى بناء منظومات متكاملة تربط بين الرياضة والسياحة والترفيه.
المنافسة العالمية والمحركات الاقتصادية
وأشار سامر شقير إلى أن المنافسة العالمية بين الدول والمدن على استضافة الأحداث الرياضية الكبرى أصبحت تستهدف جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، بينما تتنافس دول الخليج فيما بينها على تقديم أفضل تجربة ممكنة للسياحة الرياضية.
وأضاف شقير أن هذه المنافسة تستند إلى مجموعة من المحركات الاقتصادية الكلية، من بينها انخفاض أسعار الفائدة في بعض الأسواق بما يدعم الإنفاق الاستهلاكي، إلى جانب النمو المتواصل للطبقة الوسطى في الأسواق الناشئة، التي أصبحت أكثر استعداداً للإنفاق على التجارب الحية.
الفرص والمخاطر أمام المستثمرين
وأكد سامر شقير أن الاستثمار في الاقتصاد الرياضي لا يخلو من التحديات، إذ تشمل أبرز المخاطر التقلبات الموسمية المرتبطة بالأحداث الرياضية، والمتغيرات الجيوسياسية التي قد تؤثر على حركة السياحة، فضلاً عن الحاجة إلى ضخ استثمارات رأسمالية كبيرة قبل تحقيق العوائد.
وفي المقابل، رأى شقير أن الفرص تتمثل في الاستثمار المبكر في تقنيات تعزيز تجربة المشجعين، وتطوير الوجهات السياحية الرياضية المتكاملة، وبناء شراكات استراتيجية مع اللاعبين والجهات الرياضية العالمية.
وأضاف أن رؤية 2030 ليست مجرد خطة تنموية، وإنما تمثل فرصة تاريخية لتحويل المملكة العربية السعودية إلى مركز عالمي للرياضة والترفيه، مؤكداً أن المستثمرين الذين يستوعبون ديناميكيات الجماهير، كما ظهر في حالة محمد صلاح، سيكونون الأكثر قدرة على تحقيق عوائد تتجاوز التوقعات من خلال الاستثمار في منظومات اقتصادية متكاملة.
نظرة مستقبلية
واختتم سامر شقير حديثه بالتأكيد على أن اقتراب استضافة السعودية لكأس العالم 2034 يجعل الاستثمار في القطاعين الرياضي والسياحي ضرورة استراتيجية وليس مجرد خيار استثماري، موضحاً أن المستثمرين المؤسسيين مطالبون بزيادة مخصصات محافظهم للأصول المرتبطة بالتجارب الحية، مع الالتزام بمعايير الحوكمة والاستدامة البيئية والاجتماعية.
وأكد شقير في ختام تصريحاته أن النجاح خلال السنوات المقبلة سيكون من نصيب المستثمرين القادرين على الربط بين الشغف الجماهيري والتخطيط الاقتصادي طويل الأجل، وتحويل المشاهد الاستثنائية للحشود الجماهيرية إلى محركات مستدامة للنمو الاقتصادي في السعودية ومنطقة الخليج.
