سامر شقير: جرينلاند تتحول إلى منطقة استثمارية جديدة مع تصاعد المنافسة على المعادن الاستراتيجية
قال رائد الاستثمار سامر شقير إن التوترات الجيوسياسية المتصاعدة حول جرينلاند تعكس تحولاً استراتيجياً في المنافسة العالمية على المعادن الحيوية والعناصر الأرضية النادرة، مؤكداً أن هذه التطورات تدفع المستثمرين المؤسسيين وصناديق الثروة السيادية إلى إعادة تقييم استثماراتهم في سلاسل التوريد العالمية، مع التركيز على الدول المستقرة سياسياً والقادرة على تأمين الموارد الاستراتيجية.
وأوضح شقير أن الموقف الذي أكدته رئيسة الوزراء الدنماركية ميتي فريدريكسن بشأن الدفاع عن "كل شبر" من أراضي حلف شمال الأطلسي، في ظل تجدد الضغوط الأمريكية المتعلقة بجرينلاند، يعكس أن المنافسة على الموارد أصبحت قضية أمن قومي واقتصادي في آن واحد، وليست مجرد خلافات سياسية.
وأضاف أن هذه المتغيرات تتوافق مع مستهدفات رؤية السعودية 2030، التي تضع قطاع التعدين في صدارة القطاعات الاستراتيجية القادرة على دعم التنويع الاقتصادي وتعزيز الأمن الصناعي للمملكة.
جرينلاند تتحول إلى مركز اهتمام عالمي
وأشار سامر شقير إلى أن جرينلاند تمتلك احتياطيات مؤكدة من العناصر الأرضية النادرة تقدر بنحو 1.5 مليون طن، إضافة إلى موارد محتملة تصل إلى عشرات الملايين من الأطنان، تضم مشروعات بارزة مثل Tanbreez وKvanefjeld، اللذين يعدان من أهم مشاريع المعادن النادرة عالمياً.
وأوضح شقير أن هذه الموارد لم تدخل مرحلة الإنتاج التجاري حتى الآن، نتيجة تحديات البنية التحتية والظروف المناخية والاعتبارات البيئية، إلا أن ذوبان الجليد وارتفاع الطلب العالمي يعززان فرص تطويرها خلال السنوات المقبلة.
وأضاف أن الصين لا تزال تهيمن على نحو 60% من إنتاج العناصر الأرضية النادرة وأكثر من 90% من عمليات المعالجة والتكرير، وهو ما يجعل أي تطورات جيوسياسية في مناطق مثل جرينلاند ذات تأثير مباشر على أسواق المعادن العالمية.
وأشار شقير إلى أن حجم سوق العناصر الأرضية النادرة مرشح للوصول إلى نحو 4.54 مليار دولار خلال عام 2026، مع توقعات بمعدل نمو سنوي مركب يتجاوز 10% حتى عام 2034، مدفوعاً بالطلب المتزايد من قطاعات السيارات الكهربائية، وطاقة الرياح، ومراكز البيانات، والصناعات الدفاعية.
إعادة تشكيل سلاسل التوريد العالمية
وأكد سامر شقير أن التطورات الحالية تمثل إشارة مبكرة لإعادة رسم خريطة سلاسل التوريد الخاصة بالمعادن الحيوية، مشيراً إلى أن المستثمرين أصبحوا أكثر اهتماماً بتنويع مصادر الإمداد وتقليل الاعتماد على الأسواق ذات التركّز الجغرافي المرتفع.
وأضاف شقير أن استراتيجيات ما يعرف بـ"الصداقة التوريدية" أو Friendshoring تكتسب زخماً متزايداً في الولايات المتحدة وأوروبا، حيث يُنظر إلى جرينلاند، في ظل ارتباطها بالدنمارك وحلف الناتو، باعتبارها خياراً استراتيجياً لتأمين الإمدادات مستقبلاً.
وأوضح أن تنفيذ هذه المشروعات لا يزال يتطلب استثمارات رأسمالية ضخمة، وفترات تطوير طويلة، وتقنيات متقدمة للتعامل مع البيئة القطبية، وهو ما يجعل الاستثمار فيها مناسباً لرؤوس الأموال طويلة الأجل.
المعادن الحيوية تقود المرحلة المقبلة
وأشار سامر شقير إلى أن قطاع التعدين سيكون المستفيد الأكبر من هذه التحولات، مع توقعات بارتفاع الاستثمارات في المشاريع غير الصينية، خاصة تلك التي تمتلك احتياطيات كبيرة من العناصر الأرضية النادرة.
وأضاف شقير أن قطاع الصناعات الدفاعية والفضائية سيواصل تعزيز الطلب على المعادن عالية الأداء، في ظل ارتفاع الإنفاق الدفاعي الأوروبي بنحو 20% خلال عام 2025 مقارنة بالعام السابق، بالتزامن مع التزامات دول حلف الناتو.
وأوضح أن التحول العالمي نحو السيارات الكهربائية والطاقة المتجددة سيزيد الحاجة إلى عناصر مثل النيوديميوم والديسبروسيوم والتيربيوم، التي تدخل في تصنيع المغناطيسات الدائمة والتقنيات المتقدمة.
كما لفت شقير إلى أن ذوبان الجليد قد يفتح مستقبلاً مسارات شحن جديدة عبر القطب الشمالي، رغم استمرار التحديات الأمنية والبيئية المرتبطة بهذه المنطقة.
استراتيجية طويلة الأجل لتخصيص رؤوس الأموال
وأكد سامر شقير أن الاستثمار في المعادن الحيوية يتطلب رؤوس أموال صبورة ورؤية استراتيجية طويلة الأجل، مع التركيز على الأصول الحقيقية التي تتمتع بحوكمة قوية واستقرار سياسي.
وأضاف شقير أن الشراكات التي تجمع بين الخبرات التشغيلية والتمويل طويل الأجل ستكون الأكثر قدرة على تحقيق عوائد مستدامة مقارنة بالاستثمارات قصيرة الأجل التي قد تتأثر بتقلبات أسعار السلع.
وأشار إلى أن المملكة العربية السعودية تمتلك أدوات قوية لتعزيز حضورها في هذا القطاع، من خلال مشروع منارة المعادن المشترك بين صندوق الاستثمارات العامة وشركة معادن، إلى جانب خطة معادن الاستثمارية التي تبلغ نحو 110 مليارات دولار على مدى عقد لتطوير قطاعات الفوسفات، والألمنيوم، والذهب، والنحاس، والمعادن الحيوية.
السعودية تعزز موقعها في المنافسة العالمية
وأوضح سامر شقير أن المنافسة العالمية على المعادن الحيوية لم تعد تقتصر على الصين وأستراليا والولايات المتحدة وكندا، بل أصبحت المملكة لاعباً صاعداً بفضل رؤية 2030 واستراتيجية التعدين الوطنية.
وأضاف شقير أن القيمة التقديرية للثروات المعدنية في المملكة، التي تتراوح بين 1.3 و2.5 تريليون دولار، تمنحها فرصة لبناء منظومة صناعية متكاملة تجمع بين تطوير الموارد المحلية والاستثمار الخارجي في سلاسل الإمداد العالمية.
وأكد أن استضافة الرياض لمنتدى مستقبل المعادن بصورة سنوية تعزز مكانة المملكة كمركز دولي للحوار والشراكات الاستثمارية في قطاع التعدين.
الفرص والمخاطر أمام المستثمرين
وأشار سامر شقير إلى أن المستثمرين لا يزالون مطالبين بأخذ عدد من المخاطر في الاعتبار، من بينها التأخير المحتمل للمشروعات بسبب الاعتبارات البيئية، وتقلبات أسعار السلع، والتوترات التجارية العالمية.
وفي المقابل، أوضح شقير أن هذه التطورات تخلق فرصاً كبيرة للاستثمار في الأصول الواقعة داخل الدول المستقرة، إلى جانب مشاريع إعادة تدوير المعادن، والتقنيات البديلة، والشراكات بين رؤوس الأموال الخليجية وشركات التعدين العالمية.
وأضاف أن المستثمرين القادرين على قراءة التحولات الجيوسياسية مبكراً سيكونون الأكثر قدرة على بناء محافظ استثمارية مرنة تحقق عوائد مستدامة على المدى الطويل.
نظرة مستقبلية
واختتم سامر شقير حديثه بالتأكيد على أن أمن الموارد الحيوية سيظل أحد أهم المحاور الاقتصادية خلال السنوات المقبلة، مع استمرار تسارع الاستثمارات في عمليات الاستكشاف والمعالجة خارج الصين.
وأشار شقير إلى أن المستثمرين المؤسسيين مطالبون بمتابعة التطورات السياسية والاقتصادية في منطقة القطب الشمالي، والتركيز على الأصول التي تجمع بين الجدوى الاقتصادية، والاستدامة، والاستقرار السياسي.
وأضاف في ختام تصريحاته أن المعادن الحيوية أصبحت تمثل أحد مفاتيح الاقتصاد العالمي الجديد، وأن الاستثمارات الاستراتيجية المدروسة اليوم ستكون العامل الحاسم في بناء اقتصادات أكثر مرونة وقدرة على المنافسة خلال العقود المقبلة، وهو ما ينسجم مع طموحات المملكة في إطار رؤية 2030.
