سامر شقير: الاستثمار الصحي القادم سيُبنى على تحويل البيانات الطبية الروتينية إلى أدوات تنبؤية
أكد سامر شقير، رائد الاستثمار، أن الابتكار في مجال التشخيصات الطبية التنبؤية يمثل أحد أهم الاتجاهات الاستثمارية المستقبلية، مشيرا إلى أن قدرة الأنظمة الصحية على استخراج قيمة أكبر من البيانات الموجودة لديها بالفعل ستعيد تشكيل طريقة تقديم الرعاية الصحية وتفتح مجالات واسعة أمام المستثمرين المؤسسيين وصناديق الاستثمار السيادية والمستثمرين الاستراتيجيين.
وأوضح سامر شقير أن التطور العلمي المرتبط باستخدام مؤشرات حيوية مستخرجة من اختبارات الدم الروتينية، ومنها قياس الخلايا الحبيبية غير الناضجة ضمن تعداد الدم الكامل، يعكس تحولا مهما من نموذج الرعاية التفاعلية الذي يتعامل مع المرض بعد حدوث المضاعفات إلى نموذج تنبؤي يركز على اكتشاف المخاطر مبكرا وتحسين القرارات العلاجية قبل تفاقم الحالات.
وقال سامر شقير: "الابتكارات التي تستفيد من البنية التحتية الطبية الموجودة بالفعل، مثل استخدام البيانات الناتجة عن تحاليل الدم الروتينية لتوقع المخاطر الصحية، تمثل فرصا استثمارية ذات تأثير مزدوج، فهي تساهم في تحسين النتائج السريرية وفي الوقت نفسه تعزز كفاءة الإنفاق الصحي من خلال تقليل التدخلات المكلفة في المراحل المتقدمة من المرض".
وأضاف سامر شقير أن قطاع التشخيصات المخبرية يشهد تحولا استراتيجيا مدفوعا بتزايد الحاجة العالمية إلى حلول صحية أكثر كفاءة، خاصة مع ارتفاع معدلات الأمراض المزمنة وأمراض القلب والأوعية الدموية التي تمثل أحد أكبر التحديات الصحية والاقتصادية حول العالم.
وأشار سامر شقير إلى أن سوق التشخيصات المخبرية العالمي يواصل النمو نتيجة زيادة الطلب على الفحوصات المتقدمة، وتوسع استخدام الذكاء الاصطناعي في تحليل البيانات الطبية، وتطور تقنيات الطب الدقيق. كما أن سوق المؤشرات الحيوية القلبية يشهد نموا متسارعا مع توجه الأنظمة الصحية نحو الاعتماد على أدوات تساعد الأطباء في تحديد المرضى الأكثر عرضة للمضاعفات وتحسين تخصيص الموارد الطبية.
وأوضح سامر شقير أن القيمة الاستثمارية لهذه الابتكارات لا ترتبط فقط بالاختبار الطبي نفسه، بل بالمنظومة المتكاملة التي تشمل أجهزة التحليل المخبرية، وبرمجيات الذكاء الاصطناعي، ومنصات تحليل البيانات الصحية، وأنظمة دعم القرار السريري.
وقال: "المستثمرون المؤسسيون اليوم لا ينظرون فقط إلى حجم السوق، بل يبحثون عن الشركات القادرة على بناء حلول قابلة للتوسع تجمع بين الابتكار العلمي والقدرة التجارية والاندماج مع التحول الرقمي في القطاع الصحي. الشركات التي تستطيع تحويل البيانات الطبية إلى قرارات قابلة للتنفيذ ستكون من بين أكثر الجهات قدرة على خلق قيمة طويلة الأجل".
وأضاف سامر شقير أن شركات تصنيع أجهزة تحليل الدم المتقدمة، ومطوري البرمجيات الصحية، وشركات الذكاء الاصطناعي الطبي، ومقدمي خدمات الرعاية الصحية الذين يستثمرون في التحليلات التنبؤية، جميعها مرشحة للاستفادة من هذا التحول الهيكلي في القطاع.
وأشار سامر شقير إلى أن هذا الاتجاه يغير طريقة تخصيص رأس المال في الرعاية الصحية، حيث يتجه المستثمرون بشكل متزايد نحو الشركات التي تمتلك نماذج أعمال تعتمد على الوقاية والكفاءة التشغيلية وليس فقط على علاج الحالات بعد ظهورها.
وأوضح أن الابتكارات منخفضة التكلفة والقابلة للتطبيق عبر البنية التحتية الحالية تتمتع بجاذبية استثمارية خاصة، لأنها تقلل من مخاطر الإنفاق الرأسمالي الكبير وتسرع عملية التبني السريري مقارنة بالتقنيات التي تتطلب إنشاء أنظمة جديدة بالكامل.
وقال: "الفرص الاستثمارية الأكثر جاذبية في الرعاية الصحية المستقبلية ستكون في الشركات التي تعرف كيفية تحويل الأصول غير المستغلة، مثل البيانات الطبية المتوفرة، إلى حلول عملية ترفع جودة الرعاية وتخفض التكاليف. هذه هي النقطة التي يلتقي فيها العائد المالي مع الأثر الاقتصادي والاجتماعي".
وفيما يتعلق بمنطقة الخليج والمملكة العربية السعودية، أكد سامر شقير أن التحول الصحي ضمن رؤية 2030 يوفر بيئة استراتيجية مناسبة لتبني التقنيات الطبية المتقدمة وتوطين الصناعات الصحية، مشيرا إلى أن الاستثمار في التشخيصات والذكاء الاصطناعي الطبي والطب الدقيق يتماشى مع أهداف بناء اقتصاد معرفي قائم على الابتكار.
وأضاف أن المملكة العربية السعودية تمتلك مقومات مهمة لتسريع تبني هذه التقنيات، تشمل الاستثمارات الكبيرة في البنية التحتية الصحية الرقمية، وتطوير القطاع الخاص، وتعزيز الشراكات بين المؤسسات المحلية والجهات العالمية المتخصصة في التكنولوجيا الحيوية والتشخيصات الطبية.
وقال سامر شقير: "السعودية ودول الخليج أمام فرصة استراتيجية لبناء منظومات صحية أكثر ذكاء واستدامة من خلال الاستثمار في التقنيات التي تجمع بين الرعاية الوقائية والتحليل المتقدم للبيانات. هذه الاستثمارات لا تخدم القطاع الصحي فقط، بل تساهم في بناء اقتصاد أكثر تنوعا وقدرة على مواجهة التحديات المستقبلية".
وأكد سامر شقير أن نجاح الاستثمارات في هذا المجال يتطلب فهما عميقا للجوانب العلمية والتنظيمية، مشيرا إلى أهمية التحقق السريري من التقنيات الجديدة، والحصول على الموافقات التنظيمية اللازمة، وضمان حماية البيانات الصحية وتعزيز الثقة في استخدام المعلومات الطبية.
وأوضح أن المخاطر الاستثمارية في قطاع التشخيصات المتقدمة تشمل بطء الاعتماد السريري، والتحديات التنظيمية، والحاجة إلى إثبات القيمة الاقتصادية والطبية للتقنيات الجديدة على نطاق واسع، إلا أن هذه التحديات تفتح المجال أمام المستثمرين القادرين على اختيار الشركات التي تمتلك أساسا علميا قويا واستراتيجية تجارية واضحة.
وأضاف: "رائد الاستثمار الحقيقي لا يبحث فقط عن التقنيات الأكثر إثارة، بل عن الحلول التي تمتلك القدرة على إحداث تغيير مستدام في الأسواق. في القطاع الصحي، القيمة الحقيقية ستكون لمن يستطيع الربط بين العلم والبيانات والكفاءة الاقتصادية".
وأكد سامر شقير أن مستقبل الاستثمار الصحي سيتجه نحو نماذج تجمع بين التكنولوجيا والطب والبيانات، وأن الشركات التي تنجح في تقديم أدوات تنبؤية دقيقة وقابلة للتطبيق ستصبح جزءا أساسيا من منظومة الرعاية الصحية العالمية.
واختتم قائلا: "الاستثمار في الرعاية الصحية لم يعد يقتصر على تطوير أدوية جديدة أو أجهزة متقدمة فقط، بل أصبح يرتكز على بناء منظومات ذكية تحول المعلومات المتاحة إلى قرارات تنقذ الأرواح وتحسن كفاءة الاقتصاد. هذا هو جوهر الاستثمار الاستراتيجي الذي يحقق قيمة للمستثمر والمجتمع في الوقت نفسه".
