بوابة أنا آدم

سامر شقير: موجة الحر الأوروبية تفرض إعادة تقييم علاوات المخاطر الفيزيائية

الأربعاء 15 يوليو 2026 03:04 مـ 29 محرّم 1448 هـ
سامر شقير
سامر شقير

أكد سامر شقير، رائد الاستثمار، أن موجة الحر التي تشهدها أوروبا تمثل نقطة تحول في نظرة المستثمرين للمخاطر المناخية، بعدما تجاوزت آثارها الجانب الصحي لتنعكس بشكل مباشر على الإنتاجية، وهوامش أرباح الشركات، وتوقعات النمو الاقتصادي، مشيراً إلى أن المرحلة الحالية تفرض إعادة تقييم علاوات المخاطر الفيزيائية وتوجيه رأس المال نحو أصول المرونة المناخية.

وأوضح سامر شقير أن أوروبا سجلت أكثر من 10,650 وفاة زائدة خلال أسبوع ذروة موجة الحر في أواخر يونيو 2026، معظمها بين من تجاوزوا الخامسة والستين، وفق بيانات شبكة يورومومو المدعومة من المركز الأوروبي للوقاية من الأمراض ومنظمة الصحة العالمية، وهو ما يعكس حجم التأثيرات الاقتصادية المصاحبة لهذه الظواهر المناخية، خاصة على القطاعات المعتمدة على العمالة الخارجية.

وأشار سامر شقير إلى أن هذا التطور يمثل بالنسبة للمستثمرين المؤسسيين إشارة واضحة إلى أن المخاطر المناخية الفيزيائية لم تعد مجرد سيناريوهات مستقبلية، وإنما أصبحت عاملاً يؤثر فعلياً في هوامش الشركات وتوقعات النمو داخل منطقة اليورو، الأمر الذي يستوجب تحديث نماذج تقييم المخاطر وإعادة النظر في أساليب تخصيص رأس المال، لافتاً إلى أن التركيز الاستثماري ينتقل تدريجياً من مخاطر التحول المناخي وحدها إلى مزيج يشمل أيضاً التكاليف الفيزيائية المباشرة، مع بروز فرص استثمارية جديدة في الإنفاق الرأسمالي المخصص للتكيف والبنية التحتية المقاومة للتغيرات المناخية.

وأضاف سامر شقير أن التأثير الاقتصادي يبدأ من انخفاض الإنتاجية العمالية خلال فترات الحر الشديد، حيث تتراجع قدرة العاملين في قطاعات البناء والزراعة والتصنيع والخدمات اللوجستية على الحفاظ على مستويات الأداء الطبيعية. وتوضح الدراسات الخاصة بموجات حر مماثلة أن خسائر الناتج المحلي الإجمالي الأوروبي قد تتراوح بين 0.3% و0.5% نتيجة تراجع الإنتاجية وحدها، مع تأثيرات أكبر في المناطق الجنوبية التي تعتمد بصورة أكبر على الأنشطة الخارجية.

وأشار سامر شقير إلى أن موجة الحر الحالية خلال يونيو أدت أيضاً إلى تعطيل إمدادات الطاقة وإغلاق مدارس في فرنسا وإسبانيا والمملكة المتحدة، وهي مؤشرات تعكس تباطؤاً أوسع في النشاط الاقتصادي اليومي يمتد إلى سلاسل الإمداد والخدمات.

وقال سامر شقير إن المستثمرين المؤسسيين ركزوا لسنوات على مخاطر التحول المناخي ضمن نماذج اختبارات الإجهاد، إلا أن البيانات الأخيرة تؤكد أن المخاطر الفيزيائية أصبحت تؤثر بشكل مباشر على الأرباح، ولا سيما لدى الشركات ذات التعرض المرتفع للعمالة الخارجية في جنوب أوروبا، مؤكداً أن ذلك يستدعي إدراج سيناريوهات الحرارة المتطرفة ضمن اختبارات التحمل ربع السنوية بدلاً من الاقتصار على السيناريوهات الانتقالية طويلة الأجل.

وأوضح أن الضغوط الإنتاجية الحالية تتقاطع مع مخاطر تضخمية متزايدة، إذ يؤدي انخفاض غلة المحاصيل في الدول المتضررة إلى ارتفاع أسعار الغذاء، بينما يرفع الطلب المتزايد على التبريد مستويات استهلاك الكهرباء في وقت قد تتراجع فيه كفاءة محطات الطاقة النووية والحرارية بسبب ارتفاع درجات حرارة مياه التبريد.

وأضاف أن دراسات البنك المركزي الأوروبي ومؤسسات دولية أخرى تربط بين موجات الحر والجفاف وارتفاع تضخم أسعار الغذاء بما يتراوح بين 0.4 و0.9 نقطة مئوية، مع إمكانية تضاعف هذه الآثار خلال العقود الثلاثة المقبلة إذا استمرت الاتجاهات المناخية الحالية، وهو ما يخلق مزيجاً من تباطؤ النمو وضغوط الأسعار ويزيد من تعقيد قرارات السياسة النقدية للبنك المركزي الأوروبي، في ظل احتمالات ظهور سيناريوهات ركود تضخمي محدود.

وأكد سامر شقير أن عدداً من القطاعات سيواجه ضغوطاً واضحة خلال المرحلة المقبلة، وفي مقدمتها شركات البناء والزراعة والسياحة في المناطق الأكثر تعرضاً لموجات الحر، نتيجة تراجع الهوامش والإيرادات، في المقابل ستستفيد شركات تقنيات التبريد الذكية وإدارة المياه والبنية التحتية المقاومة للحرارة من زيادة الطلب، إلى جانب خدمات الرعاية الصحية المتخصصة بكبار السن ومنتجات التأمين البارامترية المرتبطة بالطقس.

وأضاف أن الإنفاق الرأسمالي الأوروبي على مشاريع التكيف مرشح للتسارع ضمن إطار الصفقة الخضراء وخطط المرونة الوطنية، بما يفتح المجال أمام دورة استثمارية تمتد لسنوات في قطاعات التكيف المناخي والبنية التحتية.

وقال سامر شقير إن الفرص الاستثمارية الحقيقية تكمن في الشركات التي تمتلك استراتيجيات واضحة للمرونة المناخية، سواء في البنية التحتية أو التقنيات التشغيلية، مشيراً إلى أن صناديق التقاعد وصناديق الثروة السيادية بدأت بالفعل في إعادة توجيه جزء من تدفقاتها الاستثمارية نحو هذه الأصول بهدف الحد من التعرض للخسائر الفيزيائية على المدى المتوسط.

وأضاف أن محافظ الاستثمار الأوروبية مرشحة خلال الفترة المقبلة لإعادة توازن تدريجية تشمل تقليص التعرض للقطاعات الدورية الخارجية في جنوب أوروبا، مقابل زيادة الوزن النسبي لأصول الدفاع والتكيف، مع تنامي أهمية اختبارات التحمل المناخي في قرارات الائتمان المصرفي وتقييمات الأسهم.

وأشار إلى أن المستثمرين العالميين، بمن فيهم المستثمرون القادمون من مناطق تتبنى استراتيجيات استثمارية طويلة الأجل، سيحتاجون إلى تنويع جغرافي أوسع وإجراء تقييم أكثر عمقاً لمدى مرونة الأصول الأوروبية أمام المخاطر المناخية.

وفيما يتعلق بالنظرة المستقبلية، أوضح سامر شقير أن الأشهر الاثني عشر المقبلة ستشهد متابعة دقيقة لنتائج الشركات الأوروبية خلال الربع الثالث لقياس الأثر الفعلي لموجة الحر على الهوامش التشغيلية، إلى جانب مراقبة إعلانات التمويل الأوروبي المخصصة لمشاريع التكيف. وأضاف أنه على مدى ثلاث إلى خمس سنوات من المتوقع أن يتحول الإنفاق الرأسمالي على المرونة المناخية إلى محرك نمو هيكلي، مع تغير محتمل في قيادة القطاعات لصالح الشركات الأكثر استعداداً للتعامل مع المخاطر المناخية، بينما قد يؤدي استمرار الظواهر المناخية المتطرفة خلال العقد المقبل إلى ارتفاع علاوات المخاطر على الأصول الأوروبية في الجنوب وتسريع انتقال رؤوس الأموال نحو الأسواق والقطاعات الأكثر مرونة على المستوى العالمي.

واختتم سامر شقير تصريحه قائلاً: "المستثمرون الذين يدمجون سيناريوهات المناخ الفيزيائي في عمليات تخصيص رأس المال منذ اليوم سيكونون في موقع أفضل لاقتناص القيمة طويلة الأجل، بينما سيواجه الآخرون ضغوطاً متزايدة على العوائد المعدلة بالمخاطر."