سامر شقير: إيرادات مونديال 2026 تؤكد تحول الرياضة إلى فئة أصول استثمارية عالمية
قال رائد الاستثمار سامر شقير إن بطولة كأس العالم لكرة القدم 2026، التي اختُتمت بالمباراة النهائية بين إسبانيا والأرجنتين على ملعب ميتلايف في ولاية نيوجيرسي الأميركية بحضور الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، قدمت نموذجاً عملياً لكيفية توجيه رؤوس الأموال نحو قطاعات الرياضة والسياحة والبنية التحتية والخدمات، مؤكداً أن الحدث تجاوز كونه بطولة رياضية ليصبح اختباراً اقتصادياً واسع النطاق لجدوى الاستثمارات الكبرى.
وأوضح شقير أن البطولة حققت إيرادات قياسية للاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) تجاوزت 13 مليار دولار من حقوق البث والرعايات والضيافة، فيما أشارت التقديرات إلى مساهمة اقتصادية إجمالية بلغت نحو 40.9 مليار دولار في الناتج المحلي الإجمالي لأمريكا الشمالية، مع استفادة المدن المستضيفة من عوائد اقتصادية تراوحت بين مئات الملايين وأكثر من مليار دولار لكل منطقة.
وأضاف أن هذه التجربة تمثل مرجعاً مهماً للمملكة العربية السعودية في إطار استعداداتها لاستضافة كأس العالم 2034 ضمن مستهدفات رؤية 2030.
البطولة أعادت رسم خريطة تدفقات رأس المال
وأشار سامر شقير إلى أن تأثير كأس العالم 2026 لم يقتصر على المنافسة الرياضية أو الانتشار الإعلامي، بل كشف عن قدرة البطولات العالمية على تحفيز تدفقات استثمارية نحو قطاعات الضيافة والنقل والإعلام الرياضي والسلع الاستهلاكية المرتبطة بالرياضة.
وأضاف شقير أن فهم الفارق بين التدفقات المالية المؤقتة التي تنشأ أثناء البطولة والعوائد الهيكلية المستدامة أصبح أمراً أساسياً أمام مديري الصناديق السيادية وصناديق التحوط والمستثمرين المؤسسيين الذين يسعون إلى تنويع محافظهم بعيداً عن الأصول التقليدية.
تأثير اقتصادي واسع مع مكاسب محلية مركزة
وأوضح سامر شقير أن البيانات الصادرة عن الاتحاد الدولي لكرة القدم ودراسات مستقلة أظهرت أن الأثر الوطني للبطولة على الناتج المحلي الإجمالي الأميركي بلغ نحو 0.05%، فيما تراوح تأثيرها في المكسيك بين 0.1% و0.2%.
وأضاف شقير أن المكاسب الاقتصادية كانت أكثر وضوحاً على المستوى المحلي، حيث أشارت التقديرات إلى مساهمة اقتصادية بلغت نحو 594 مليون دولار في منطقة لوس أنجلوس، بينما حققت مدن أخرى عوائد وصلت إلى مئات الملايين من الدولارات، مدفوعة بارتفاع إنفاق الزوار غير المحليين بنسبة 16.7% وفق بيانات بنك أوف أميركا.
وأشار إلى أن توسيع البطولة لتشمل 48 منتخباً و104 مباريات أدى إلى زيادة كبيرة في الطلب على الخدمات اللوجستية والفنادق والنقل والتجزئة، وهو ما انعكس في ارتفاع معدلات الإشغال الفندقي والإنفاق الاستهلاكي طوال فترة البطولة.
المنتجات الفاخرة توسع مصادر الإيرادات
وأكد سامر شقير أن فيفا نجح في تنويع مصادر الإيرادات من خلال إطلاق حلقات رسمية للفائزين للمرة الأولى في تاريخ البطولة، صُنعت من الذهب عيار 18 قيراطاً ورُصعت بالماس والياقوت، إلى جانب طرح نسخ محدودة للجماهير.
وأضاف شقير أن هذه الخطوة عكست استراتيجية تستهدف تعزيز الحصرية وخلق تدفقات إيرادات إضافية من المنتجات التذكارية الفاخرة، بما يعزز القيمة التجارية للبطولة خارج إطار حقوق البث والرعاية التقليدية.
الحضور السياسي عزز الزخم الاقتصادي
وأشار سامر شقير إلى أن حضور الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المباراة النهائية أضاف بعداً جديداً للبطولة، إذ ساهم في رفع مستوى التغطية الإعلامية وزيادة اهتمام الشركات الأميركية بفعاليات الضيافة المؤسسية.
وأوضح شقير أن هذا الزخم انعكس بصورة مباشرة على قطاعات السفر والترفيه والضيافة، كما أسهم في دعم ثقة المستهلك بصورة مؤقتة، لا سيما في المدن الكبرى المرتبطة باستضافة المباريات.
الرياضة أصبحت فئة أصول استثمارية
وأكد سامر شقير أن حقوق البث والرعايات الرياضية أثبتت قدرتها على توفير تدفقات نقدية متكررة، وهو ما عزز جاذبية الاستثمار في الدوريات والأندية والمنصات الرقمية الرياضية بالنسبة للمستثمرين المؤسسيين.
وأضاف شقير أن "الصناديق السيادية وصناديق التحوط باتت تنظر إلى الأصول الرياضية باعتبارها إحدى أدوات التحوط من التضخم في بعض الحالات، بفضل طبيعة العقود طويلة الأجل التي تحد من تأثير تقلبات أسعار الفائدة، إلا أن المستثمرين مطالبون بالتمييز بين العوائد المرتبطة بالبطولات المؤقتة والعوائد الهيكلية الناتجة عن نمو صناعة الرياضة على المدى الطويل."
دروس استراتيجية للمملكة ورؤية 2030
وأوضح سامر شقير أن التجربة التي قدمتها أميركا الشمالية توفر نموذجاً عملياً يمكن للمملكة العربية السعودية الاستفادة منه خلال استعداداتها لاستضافة كأس العالم 2034.
وأشار شقير إلى أن "تحقيق الأثر الاقتصادي المستدام لن يعتمد فقط على إنشاء الملاعب، وإنما على تطوير منظومة متكاملة تشمل البنية التحتية، والشراكات مع القطاع الخاص، والسياحة الرياضية، والخدمات اللوجستية، والاقتصاد الرقمي."
وأضاف أن التحدي الحقيقي يتمثل في تصميم نموذج اقتصادي يضمن استمرار العوائد بعد انتهاء البطولة، من خلال ربط الاستثمارات الرياضية بقطاعات إنتاجية قادرة على جذب الاستثمار الأجنبي المباشر وتحقيق قيمة مضافة على المدى المتوسط والطويل.
القطاعات الأكثر استفادة وفرص المستثمرين
ورأى سامر شقير أنه خلال الاثني عشر شهراً المقبلة ستواصل شركات الضيافة والطيران والإعلام الرياضي الاستفادة من الزخم الذي خلفته البطولة، خاصة في الأسواق الأميركية.
وأضاف شقير أنه على المدى المتوسط، الممتد بين ثلاث وخمس سنوات، قد يؤدي استمرار نمو شعبية كرة القدم في أميركا الشمالية إلى دعم تقييمات الدوري المحلي وخلق فرص جديدة للاستثمار الخاص في البنية التحتية الرياضية والتكنولوجيا المرتبطة بتجربة الجماهير.
وأشار إلى أنه على المدى الطويل، بين خمس وعشر سنوات، ستحتاج الدول المستضيفة المقبلة، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، إلى تطوير نماذج تمويل هجينة تجمع بين الإنفاق الحكومي ورأس المال الخاص، مع الالتزام بأعلى معايير الحوكمة والشفافية لضمان استدامة العوائد.
رؤية استراتيجية للمستثمرين
وأكد سامر شقير أن المستثمرين المؤسسيين يواصلون حالياً مراقبة مؤشرات الإنفاق الاستهلاكي وحركة السياحة في المدن التي استضافت البطولة، بهدف تقييم مدى استدامة المكاسب الاقتصادية التي تحققت خلال الحدث.
واختتم شقير حديثه قائلاً إن "نجاح البطولات العالمية لا يُقاس فقط بحجم الإيرادات المباشرة، وإنما بقدرتها على تحفيز استثمارات جديدة وبناء منظومة اقتصادية متكاملة تدعم النمو المستدام. وهذا هو المعيار الذي سيعتمد عليه المستثمرون عند تقييم جدوى المشاركة في المشاريع الرياضية الكبرى خلال السنوات المقبلة."
وأكد في ختام تحليله أن تجربة كأس العالم 2026 قدمت نموذجاً واضحاً لكيفية توظيف الرياضة كمنصة لتعزيز التنمية الاقتصادية، وتنويع مصادر الدخل، وجذب الاستثمارات طويلة الأجل، وهي الدروس التي ستكتسب أهمية متزايدة مع اقتراب استضافة المملكة العربية السعودية لنسخة 2034.
