سامر شقير: استئناف الرحلات الأميركية إلى لبنان يفتح نافذة جديدة للاستثمار والسياحة
قال رائد الاستثمار سامر شقير إن قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب توجيه إدارته بالسماح لشركات الطيران الأميركية بتسيير رحلات مباشرة إلى لبنان، منهياً قيوداً استمرت منذ عام 1985، يمثل تحولاً سياسياً واقتصادياً يحمل دلالات مهمة للمستثمرين.
وأوضح شقير أن القرار، الذي جاء عقب لقاء مع الرئيس اللبناني جوزيف عون، يزيل أحد أبرز العوائق أمام الربط الجوي مع واحدة من أكبر الجاليات اللبنانية في الخارج، بما قد يسهم في خفض تدريجي لعلاوة المخاطر الجيوسياسية ويفتح فرصاً جديدة أمام قطاعات السياحة والطيران والعقارات والخدمات في اقتصاد يعتمد بصورة رئيسية على التحويلات والسياحة لدعم النمو.
القرار يعزز فرص التعافي الاقتصادي
وأوضح سامر شقير أن القرار جاء في وقت يسعى فيه لبنان إلى تثبيت تعافٍ اقتصادي لا يزال هشاً، مشيراً إلى أن الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي سجل نمواً بنسبة 3.5% خلال عام 2025، مدعوماً بالاستهلاك الخاص الناتج عن التحويلات الدولارية ونشاط عقاري محدود، فيما تشير التوقعات إلى نمو يقترب من 4% خلال عام 2026 إذا استمرت الإصلاحات الاقتصادية وتحسنت الأوضاع الأمنية نسبياً.
وأضاف شقير أن السياحة والتحويلات المالية ما زالتا تمثلان المحرك الأساسي للاقتصاد اللبناني، وأن تسهيل الوصول من السوق الأميركية قد يعزز هذين المصدرين دون أن يغير البنية الاقتصادية الأساسية في المدى القريب.
إنهاء قيود استمرت أكثر من أربعة عقود
وأشار سامر شقير إلى أن الحظر فُرض عقب حادث اختطاف طائرة "ترانز وورلد إيرلاينز" عام 1985، واستمر لأسباب أمنية مرتبطة بالأوضاع في جنوب لبنان، وهو ما فرض تكلفة اقتصادية مستمرة تمثلت في إطالة زمن السفر وارتفاع تكلفته بالنسبة للجالية اللبنانية في الولايات المتحدة.
وأضاف شقير أن الجالية اللبنانية، التي تُقدر بمئات الآلاف وفق تقديرات التعداد الأميركي، تمثل سوقاً طبيعية للسياحة العائلية والاستثمار في العقارات والخدمات، موضحاً أن تحسين الربط الجوي يقلل العقبات اللوجستية ويزيد احتمالات ارتفاع الإنفاق السياحي والتحويلات المرتبطة بالزيارات.
وأكد في الوقت نفسه أن الاقتصاد اللبناني لا يزال يواجه تحديات هيكلية تتمثل في ضعف الحوكمة المصرفية، واستمرار تداعيات الأزمة المالية، وعدم استكمال الإصلاحات المطلوبة من المؤسسات الدولية، لافتاً إلى أن تحسين الربط الجوي لا يلغي هذه التحديات، لكنه قد يساهم في خفض مستوى المخاطر الذي يدركه المستثمرون مع تحسن مؤشرات الاستقرار السياسي والأمني.
السياحة والخدمات في مقدمة المستفيدين
وقال سامر شقير إن السياحة اللبنانية اعتمدت تاريخياً على الجاليات اللبنانية والوافدين من المنطقة أكثر من اعتمادها على السياح الغربيين، موضحاً أن استئناف الرحلات المباشرة من الولايات المتحدة يعزز سياحة "زيارة الأهل والأقارب"، وهي الفئة التي تتميز بارتفاع إنفاقها على الإقامة والمطاعم والتجزئة والعقارات مقارنة بالسياحة الجماعية.
وأضاف شقير أن هذا التطور قد يسرع نمو الإنفاق السياحي إذا استمرت مستويات الأمان في المناطق السياحية الرئيسية.
وأوضح قائلاً: "المستثمر المؤسسي لا يبحث عن قصة تعافٍ كاملة، وإنما يبحث عن أصول قادرة على توليد تدفقات نقدية مرتبطة بزيادة الزيارات العائلية، مثل الفنادق البوتيكية والعقارات السكنية في بيروت والجبل التي يفضلها المغتربون"، مؤكداً أن هذا النوع من الاستثمار يعتمد على القيمة طويلة الأجل وليس على المضاربات قصيرة الأجل.
قطاع الطيران والبنية التحتية أمام فرص جديدة
وأشار سامر شقير إلى أن شركة "طيران الشرق الأوسط" (MEA) مرشحة للاستفادة من القرار سواء عبر تشغيل الرحلات المباشرة أو من خلال عقد شراكات مع شركات الطيران الأميركية.
وأضاف شقير أن مطار رفيق الحريري الدولي، الذي يعمل حالياً بمعدلات ركاب تقل عن طاقته التصميمية خلال بعض الفترات، قد يحتاج إلى استثمارات إضافية في التوسعة وتحسين الكفاءة التشغيلية مع زيادة حركة السفر.
كما لفت إلى أن الخطط السابقة لتطوير الطاقة الاستيعابية للمطار وإنشاء مطار ثانٍ في شمال لبنان عبر شراكات بين القطاعين العام والخاص قد تكتسب زخماً جديداً إذا ارتفعت توقعات حركة الركاب خلال السنوات المقبلة.
وأوضح شقير أن شركات الطيران الأميركية قد تجد في القرار فرصة لدخول مسارات جديدة في الشرق الأوسط، إلا أن الجدوى التجارية ستظل مرتبطة بحجم الطلب القادم من الجالية اللبنانية ومدى استقرار البيئة التشغيلية، مع احتمال امتداد الأثر مستقبلاً إلى قطاع الشحن الجوي ودعم تجارة السلع ذات القيمة المضافة.
المستثمرون يراقبون الإشارات السياسية
وأوضح سامر شقير أن المستثمرين المؤسسيين ينظرون إلى القرار باعتباره إشارة سياسية أكثر من كونه تحولاً اقتصادياً فورياً، مشيراً إلى أن تراجع علاوة المخاطر الجيوسياسية قد يشجع تدفقات محدودة لرأس المال الخاص نحو قطاعات الخدمات إذا ترافق مع خطوات إضافية مثل تعزيز الاستقرار الأمني أو تقوية دور الجيش اللبناني في الجنوب.
وأضاف شقير أن الأسواق المالية اللبنانية ما تزال محدودة السيولة، وهو ما يجعل التعرض الاستثماري المباشر محدوداً في أغلب الحالات ويقتصر غالباً على الاستثمارات الخاصة أو الأدوات غير المباشرة.
وقال: "تخصيص رأس المال في هذه المرحلة يجب أن يكون انتقائياً ويرتبط بمحفزات واضحة، مثل ارتفاع أعداد المسافرين أو تحسن معدلات إشغال الفنادق. فالجالية اللبنانية تمثل مصدراً طبيعياً لرأس المال، وتسهيل تنقلها قد يسرع تحويل جزء من مدخراتها إلى استثمارات محلية في العقارات والخدمات".
وأضاف شقير أن المستثمرين الخليجيين، الذين يمتلكون بالفعل انكشافاً على الأصول اللبنانية من خلال الجاليات المهنية، قد يعيدون تقييم محافظهم الاستثمارية إذا استمرت المؤشرات الإيجابية، خاصة في ظل المنافسة الإقليمية على قطاع السياحة ضمن مستهدفات رؤية السعودية 2030.
المخاطر لا تزال قائمة
وأكد سامر شقير أن المخاطر ما تزال مرتفعة، موضحاً أن أي تدهور أمني في جنوب لبنان أو تباطؤ في تنفيذ الإصلاحات المالية قد يقلص الفوائد المنتظرة من القرار.
وأضاف شقير أن الاعتماد الكبير على السياحة والتحويلات يجعل الاقتصاد اللبناني أكثر عرضة للصدمات الخارجية، مشيراً إلى أن السيناريو الأساسي يتمثل في تحقيق نمو تدريجي في إنفاق الجالية اللبنانية المقيمة في الولايات المتحدة دون حدوث تحول هيكلي واسع، بينما قد يشهد السيناريو الأكثر إيجابية تسارعاً في الاستثمارات الخاصة بقطاعي السياحة والعقارات إذا اقترن القرار بتقدم سياسي ملموس.
رؤية استراتيجية للمستثمرين
واختتم سامر شقير حديثه بالتأكيد على أن القرار يمنح صناديق الثروة السيادية ومديري الأصول العائلية والمؤسسات الاستثمارية فرصة لمتابعة مجموعة من المؤشرات الرئيسية، أبرزها أعداد المسافرين عبر مطار رفيق الحريري الدولي، ومعدلات إشغال الفنادق، وحجم التحويلات المرتبطة بالزيارات.
وأشار شقير إلى أن الاستثمار المباشر في لبنان ما يزال يتطلب قدراً كبيراً من الحذر بسبب المخاطر السياسية والمؤسسية، إلا أن بعض الأصول القادرة على تحقيق تدفقات نقدية مستقرة من الطلب القادم من الجالية قد توفر فرصاً استثمارية انتقائية.
وأضاف: "القرار يعكس تحولاً في الرواية السياسية أكثر مما يغير الأساسيات الاقتصادية بصورة فورية. المستثمر الذكي يركز على كيفية ترجمة هذا التحول إلى تدفقات نقدية قابلة للقياس داخل قطاعات الخدمات، مع الالتزام بانضباط صارم في إدارة المخاطر".
وأكد شقير أن مثل هذه الإشارات الإقليمية تكتسب أهمية متزايدة في ظل بيئة استثمارية عالمية تتسم بتقلبات أسعار الفائدة واستمرار التوترات الجيوسياسية، حيث تسهم في إعادة تقييم تخصيص رأس المال نحو بعض الأسواق الناشئة في الشرق الأوسط، بشرط استمرار مؤشرات الاستقرار والنمو بصورة ملموسة.
