سامر شقير: صندوق الاستثمارات العامة يُعيد صياغة هندسة التمويل طويل الأجل
قال رائد الاستثمار سامر شقير: إن مذكرات التفاهم التي وقعها صندوق الاستثمارات العامة بقيمة تصل إلى 24.5 مليار دولار تمثل تحولًا استراتيجيًّا في آليات تمويل المشاريع الكبرى داخل المملكة، بعدما وسعت نطاق أدوات التمويل المتاحة لشركات محفظة الصندوق عبر شراكات مع بنك التصدير والاستيراد الأمريكي ومؤسسة التمويل الدولية والوكالة الدولية لضمان الاستثمار.
وأوضح شقير، أن هذه الاتفاقيات لا توفر مصادر تمويل إضافية فحسب، بل تعيد صياغة دور الصندوق كمحفز لتدفقات رأس المال الخاص والعابر للحدود، بما يدعم مشاريع البنية التحتية والطاقة والسياحة والرعاية الصحية والتقنيات المتقدمة، ويعزز تنويع مصادر التمويل بعيدًا عن الاعتماد التقليدي على عائدات النفط أو الإصدارات السيادية المباشرة.
التمويل الدولي يدخل مرحلة جديدة
وأشار سامر شقير، إلى أن توقيت هذه الاتفاقيات يحمل دلالات اقتصادية مهمة، في ظل استمرار الأسواق العالمية في إعادة تسعير المخاطر الجيوسياسية وارتفاع تكاليف التمويل في الاقتصادات المتقدمة.
وأضاف شقير، أن قدرة صندوق الاستثمارات العامة على استقطاب تمويل طويل الأجل مدعوم بشراء سلع وخدمات أمريكية، إلى جانب الاستفادة من الضمانات متعددة الأطراف، تمنح مشاريع رؤية السعودية 2030 مرونة أكبر في مواجهة تقلبات أسعار الفائدة العالمية وتغير ظروف التمويل الدولية.
وأكد شقير، أن هذه الشراكات تعكس انتقال الصندوق إلى مرحلة أكثر تقدمًا في إدارة رأس المال، تقوم على تنويع مصادر التمويل بدلًا من الاعتماد على قناة واحدة.
اتفاقية بقيمة 15 مليار دولار تعزز الشراكة الاقتصادية
وأوضح سامر شقير، أن الاتفاق الموقع مع بنك التصدير والاستيراد الأمريكي، والبالغة قيمته 15 مليار دولار، يعكس عمق العلاقات الاقتصادية بين المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة.
وأضاف شقير، أن صندوق الاستثمارات العامة وشركات محفظته نفذوا منذ عام 2017 مشتريات من السوق الأمريكية بلغت نحو 65 مليار دولار، ساهمت بما يقارب 35 مليار دولار في الناتج المحلي الأمريكي.
وأشار شقير، إلى أن الاتفاقية الجديدة تفتح المجال أمام تمويل مشتريات في قطاعات التقنيات المتقدمة، والفضاء، والطيران، والبنية التحتية، والتنقل المستقبلي، والأمن المائي، والمعادن الحرجة، وهي قطاعات تتوافق بصورة مباشرة مع أولويات التصنيع والتوطين داخل المملكة، كما تمنح المستثمرين فرصًا أكبر للمشاركة في سلاسل توريد أكثر مرونة وأقل تعرضًا للتقلبات الجيوسياسية.
9.5 مليارات دولار عبر مؤسسات البنك الدولي
وقال سامر شقير: إن الاتفاقيتين الموقعتين مع ذراعي مجموعة البنك الدولي تبلغ قيمتهما مجتمعتين 9.5 مليار دولار.
وأوضح شقير، أن مذكرة التفاهم مع مؤسسة التمويل الدولية، والبالغة 6 مليارات دولار، تستهدف التمويل المشترك للمشروعات المؤهلة في مجالات البنية التحتية والطاقة والنقل والسياحة والرعاية الصحية داخل المملكة والمنطقة.
وأضاف شقير، أن مذكرة التفاهم مع الوكالة الدولية لضمان الاستثمار، بقيمة 3.5 مليار دولار، تركز على استكشاف حلول الضمان الائتماني لشركات الصندوق العاملة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، مع اهتمام خاص بالمشروعات التي تدعم خفض الانبعاثات الكربونية، والصناعات المبتكرة، وخلق فرص عمل نوعية.
هندسة جديدة لرأس المال الخليجي
وأشار سامر شقير، إلى أن الجمع بين أدوات الضمان متعددة الأطراف وتمويل ائتمان الصادرات يمثل تطورًا نوعيًا في هيكلة التمويل داخل المنطقة.
وأوضح شقير، أن الصناديق السيادية الخليجية لم تعد تقتصر على دور المستثمر المباشر، وإنما أصبحت تطور نماذج تمويل تجمع بين رأس المال الحكومي والخاص والدولي، بما يسهم في خفض تكلفة رأس المال ورفع جاذبية المشاريع أمام المستثمرين العالميين ومديري الأصول، مضيفًا أن هذا النموذج يسرّع مشاركة القطاع الخاص في مشاريع كانت تعتمد تاريخيًّا على التمويل الحكومي أو التمويل المصرفي التقليدي.
فرص جديدة أمام المستثمرين
وقال سامر شقير: إن هذه الشراكات تفتح أمام مديري الصناديق الاستثمارية فرصًا جديدة في قطاعات البنية التحتية والطاقة المتجددة والسياحة.
وأوضح شقير، أن مشاريع رؤية 2030 تحتاج بطبيعتها إلى مصادر تمويل طويلة الأجل تتناسب مع الفترات الزمنية الممتدة لاسترداد الاستثمارات، وهو ما توفره أدوات تمويل ائتمان الصادرات والضمانات متعددة الأطراف.
وأضاف شقير، أن هذه الاتفاقيات ستفرض أيضًا ضغوطًا تنافسية على البنوك الإقليمية، بما يدفعها إلى إعادة تسعير منتجاتها التمويلية وتطوير حلول أكثر ابتكارًا، لا سيما في مجالات التمويل الإسلامي والائتمان الخاص.
تنويع مصادر التمويل يعزز الاستدامة
وأشار سامر شقير، إلى أن هذه الخطوات تنسجم مع استراتيجية صندوق الاستثمارات العامة القائمة على تنويع مصادر التمويل الأربعة، والتي تشمل المساهمات الحكومية، ونقل الأصول، وعوائد الاستثمارات، وأدوات الدين.
وأضاف شقير، أن استمرار تنفيذ المشاريع الكبرى مثل نيوم والبحر الأحمر والقدية يجعل الوصول إلى تمويل مدعوم بالمشتريات الدولية أو الضمانات متعددة الأطراف وسيلة عملية لتقليل مخاطر التنفيذ وتسريع الجداول الزمنية للمشروعات.
ثقة المستثمرين المؤسسيين تتعزز
وأوضح سامر شقير، أن المستثمرين المؤسسيين ينظرون إلى هذه الاتفاقيات باعتبارها مؤشرًا على استمرار جاذبية السوق السعودية لاستقطاب رؤوس الأموال طويلة الأجل، رغم التقلبات التي تشهدها أسعار النفط والضغوط الواقعة على الموازنات العامة.
وأضاف شقير، أن نجاح صندوق الاستثمارات العامة في استقطاب مؤسسات دولية مثل بنك التصدير والاستيراد الأمريكي ومجموعة البنك الدولي يعزز الثقة في الحوكمة وجودة المشاريع المطروحة، مؤكدًا أن النجاح الحقيقي لهذه الاتفاقيات لن يقاس بحجم التسهيلات التمويلية المعلنة فقط، وإنما بسرعة تحويلها إلى مشاريع تشغيلية قادرة على توليد تدفقات نقدية مستدامة، وتعزيز القيمة الاقتصادية، وخلق وظائف نوعية.
المرحلة المقبلة
وقال سامر شقير: إن الأشهر المقبلة قد تشهد تدفقات متزايدة لرأس المال الخاص نحو القطاعات المستهدفة، خاصة مع تحسن بيئة التصنيف الائتماني وتوسع أدوات التمويل البديلة.
وأضاف شقير، أن المستثمرين الذين يركزون على البنية التحتية المستدامة، والطاقة النظيفة، والتقنيات الصناعية المتقدمة، ينظرون إلى هذه الاتفاقيات باعتبارها مؤشرًا مبكرًا على أن المملكة تبني منظومة تمويل أكثر تنوعًا وأقل ارتباطًا بالدورات النفطية.
النظرة الاستراتيجية
واختتم سامر شقير بالتأكيد على أن هذه الشراكات تمثل أكثر من مجرد اتفاقيات تمويل، بل تعكس تحولًا هيكليًّا في طريقة تخصيص رأس المال داخل الاقتصاد السعودي.
وأوضح شقير، أن نجاح هذا النموذج سيقاس بقدرته على جذب المزيد من الاستثمار الخاص، وخفض تكلفة التمويل، وتسريع تنفيذ المشاريع الاستراتيجية، مؤكدًا أن استمرار هذا النهج بالوتيرة الحالية قد يعيد رسم خريطة التمويل الدولي وتخصيص رأس المال في المنطقة خلال السنوات المتبقية من العقد، ويعزز مكانة المملكة كمركز رئيسي للاستثمار طويل الأجل في اقتصاد رؤية 2030.
