سامر شقير: تثبيت الفائدة الأمريكية يُعيد تشكيل خريطة تدفقات رأس المال العالمية
أكَّد رائد الاستثمار سامر شقير، أنَّ قرار الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي الإبقاء على أسعار الفائدة عند نطاق 3.50% إلى 3.75% يعكس مرحلة جديدة من الحذر في إدارة السياسة النقدية العالمية، مشيرًا إلى أن استمرار الالتزام بهدف التضخم البالغ 2% يعيد تشكيل توقعات المستثمرين بشأن تكلفة رأس المال واتجاهات تخصيص الاستثمارات خلال الفترة المقبلة.
وأوضح سامر شقير، أن قرار تثبيت أسعار الفائدة للمرة الخامسة على التوالي، رغم توقع الأسواق له بدرجة كبيرة، يحمل رسائل مهمة حول طبيعة المرحلة الحالية، خاصة مع استمرار حالة عدم اليقين بشأن مسار التضخم ومستقبل السياسة النقدية الأمريكية.
وأشار شقير، إلى أن التصويت داخل اللجنة بنتيجة 9 أصوات مقابل 3 يؤكد وجود نقاش واسع حول مدى الحاجة إلى مزيد من التشدد النقدي في مواجهة الضغوط التضخمية.
وقال سامر شقير: إن تأكيد رئيس الاحتياطي الفيدرالي كيفن وورش على الالتزام الكامل بهدف التضخم عند مستوى 2% يعكس توجُّه المؤسسة النقدية نحو الحفاظ على المصداقية طويلة الأجل، وعدم تقديم تنازلات في مواجهة ارتفاع الأسعار، موضحًا أن الأسواق باتت تركز بشكل أكبر على البيانات الاقتصادية الفعلية بدلًا من الاعتماد على توقعات مسبقة لمسار الفائدة.
وأضاف سامر شقير، أن ارتفاع عوائد السندات طويلة الأجل عقب القرار يعكس إعادة تقييم المستثمرين لمخاطر التضخم واستمرار تكلفة التمويل المرتفعة لفترة أطول، وليس بالضرورة توقعات مباشرة بزيادة فورية في أسعار الفائدة، وهو ما يدفع المؤسسات الاستثمارية إلى مراجعة استراتيجياتها في أسواق الدخل الثابت والأصول ذات الحساسية العالية للفائدة.
وأشار سامر شقير، إلى أن السياسة النقدية الأمريكية أصبحت عاملًا رئيسيًّا في إعادة توجيه تدفقات رأس المال العالمية، حيث يبحث المستثمرون عن أسواق قادرة على تحقيق نمو مستدام في ظل بيئة مالية أكثر تشددًا، موضحًا أن الاقتصادات التي تمتلك أساسيات قوية وبرامج تنويع واضحة أصبحت أكثر قدرة على جذب الاستثمارات طويلة الأجل.
وأوضح سامر شقير، أن الأسواق العالمية تفاعلت مع القرار بصورة مركبة، حيث تراجعت بعض توقعات رفع الفائدة المستقبلية، بينما شهدت عوائد السندات طويلة الأجل ارتفاعًا نتيجة استمرار المخاوف المرتبطة بالتضخم، كما تعرضت القطاعات الأكثر تأثرًا بتكاليف التمويل، مثل التكنولوجيا والعقارات، لضغوط نتيجة إعادة تقييم المستثمرين لقيمة التدفقات النقدية المستقبلية.
وقال سامر شقير: "المرحلة الحالية تدفع المستثمرين المؤسسيين إلى إعادة النظر في مفهوم جودة الأصول، حيث أصبحت الشركات التي تمتلك تدفقات نقدية قوية وميزانيات مالية متماسكة أكثر قدرة على التعامل مع بيئة أسعار الفائدة المرتفعة، كما أصبحت الاقتصادات التي تتمتع بقدرة إنتاجية مستقلة أكثر جذبًا لرأس المال العالمي".
وأكد شقير، أن المملكة العربية السعودية تمتلك مقومات تجعلها في موقع متقدم للاستفادة من التحولات الحالية، خاصة مع استمرار تنفيذ رؤية 2030 وبرامج التنويع الاقتصادي التي تستهدف تقليل الاعتماد على القطاعات التقليدية وتعزيز الاستثمار في التكنولوجيا والصناعة والطاقة المتجددة.
وأشار شقير، إلى أن موسم نتائج الشركات السعودية يمثل مؤشرًا مهمًا للمستثمرين خلال المرحلة المقبلة، مع توقعات بوجود أداء قوي في عدد من القطاعات، خاصة البنوك والبتروكيماويات، مدعومًا بالنمو الاقتصادي المحلي وتطور بيئة الأعمال.
وأوضح سامر شقير، أن الاستثمار في الذكاء الاصطناعي يمثل أحد المحاور الرئيسية التي يمكن أن تعزز النمو الاقتصادي السعودي خلال السنوات المقبلة، خاصة مع توجُّه المملكة نحو بناء منظومة متكاملة تشمل البنية التحتية الرقمية، وتطوير المواهب، وإنشاء بيئة تنظيمية داعمة للابتكار والاستثمار، قائلًا: إن تبني تقنيات الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع يمكن أن يخلق فرصًا استثمارية طويلة الأجل في قطاعات متعددة، تشمل الاقتصاد الرقمي، والخدمات المالية التقنية، والرعاية الصحية الرقمية، واللوجستيات المتقدمة، مشيرًا إلى أن هذه المجالات أصبحت محط اهتمام متزايد من صناديق رأس المال الجريء والمستثمرين المؤسسيين حول العالم.
وأضاف شقير، أن ارتفاع تكلفة التمويل عالميًّا يجعل المشاريع ذات العوائد الهيكلية المرتفعة أكثر أهمية بالنسبة للمستثمرين، خصوصًا تلك التي ترتبط بتحولات اقتصادية طويلة الأجل وتمتلك قدرة واضحة على خلق قيمة مستدامة.
وقال سامر شقير: إن المستثمرين ينظرون إلى الاقتصادات الخليجية باعتبارها أكثر قدرة على مواجهة تقلبات أسعار الفائدة العالمية بفضل قوة المراكز المالية والاحتياطيات السيادية وبرامج التنمية الطموحة، وهو ما يمنحها ميزة تنافسية في جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة.
وأوضح شقير، أن المرحلة المقبلة ستشهد تركيزًا أكبر على جودة تخصيص رأس المال، مع انتقال المستثمرين من البحث عن النمو السريع إلى الاستثمار في الأصول التي تجمع بين الاستقرار المالي والقدرة على تحقيق نمو مستدام.
وأشار شقير، إلى أن أبرز المخاطر التي يجب مراقبتها تتمثل في احتمال عودة الضغوط التضخمية نتيجة صدمات العرض أو التطورات الجيوسياسية، وهو ما قد يدفع الاحتياطي الفيدرالي إلى الحفاظ على سياسة نقدية أكثر تشددًا لفترة أطول، بما ينعكس على تكاليف التمويل العالمية.
ويرى سامر شقير، أن البيئة الحالية توفر فرصًا مهمة في قطاعات مثل التمويل الإسلامي، والسندات المرتبطة بالاستدامة، والاستثمارات الخاصة في المشاريع التي تتمتع بعوائد حقيقية إيجابية، إضافة إلى القطاعات المرتبطة بالتحول الرقمي والطاقة المستقبلية.
واختتم سامر شقير تصريحاته قائلًا: "في بيئة تتسم بعدم اليقين النقدي، يصبح الاستثمار في الاقتصادات التي تبني قدراتها الإنتاجية الذاتية أكثر أهمية من أي وقت مضى. السعودية تمثل نموذجًا واضحًا لاقتصاد يعمل على تطوير محركات نمو جديدة من خلال رؤية 2030 والذكاء الاصطناعي، وهو ما يجعلها من الأسواق التي تستحق اهتمام المستثمرين الباحثين عن قيمة طويلة الأجل".
