سامر شقير: الملكية الحكومية تُعيد تشكيل تقييمات الأسواق وتفرض معايير استثمار جديدة
قال رائد الاستثمار سامر شقير: إن عودة الحكومات إلى لعب دور المالك والمستثمر المباشر في الشركات تمثل أحد أبرز التحولات الهيكلية التي تشهدها الأسواق العالمية، موضحًا أن اتساع تدخل الدولة عبر الاستحواذ على حصص ملكية أو تنفيذ عمليات تأميم جزئية يعكس تغيرًا في فلسفة إدارة الاقتصاد العالمي، مدفوعًا بمخاوف الأمن القومي، وتعزيز مرونة سلاسل التوريد، وحماية الصناعات الاستراتيجية.
وأوضح شقير، أن هذا الاتجاه، الذي شمل استثمارات حكومية أمريكية في شركات أشباه الموصلات والمعادن الحرجة، إلى جانب التوجهات البريطانية نحو زيادة السيطرة على قطاعات المرافق الأساسية، يفرض على المستثمرين المؤسسيين إعادة تقييم مخاطر التسعير والحوكمة وتدفقات رأس المال، مؤكدًا أن التحدي الحقيقي يتمثل في كيفية تخصيص الموارد بعيدًا عن التشوهات السياسية، مع الحفاظ على كفاءة الأسواق الخاصة وقدرتها على تحقيق النمو طويل الأجل.
الدولة تعود لاعبًا رئيسيًّا في الأسواق
وأشار سامر شقير، إلى أن الأسواق العالمية تشهد تحولًا تدريجيًّا في دور الحكومات، بعدما تجاوز التدخل حدود الدعم التقليدي عبر الإعانات أو الرسوم الجمركية، ليصل إلى امتلاك حصص مباشرة في شركات تعمل في قطاعات استراتيجية، تشمل أشباه الموصلات، والمعادن الحرجة، وصناعة الصلب.
وأضاف شقير، أن هذه التطورات أعادت إحياء النقاش حول حدود رأسمالية الدولة، وأدخلت المستثمرين في مرحلة جديدة تتداخل فيها الاعتبارات السياسية مع القرارات الاقتصادية بصورة غير مسبوقة.
دوافع مختلفة تعيد تجربة الملكية العامة
وأوضح سامر شقير، أن تجارب الملكية الحكومية في الماضي ارتبطت غالبًا بتراجع الكفاءة التشغيلية وتراكم الخسائر، قبل أن تعود معظم الاقتصادات إلى برامج الخصخصة.
وأضاف شقير، أن الموجة الحالية تختلف في دوافعها، إذ جاءت استجابة للحاجة إلى تعزيز مرونة سلاسل التوريد بعد جائحة كورونا، وحماية الإنتاج المحلي من التوترات الجيوسياسية، والحد من ظاهرة انتقال الصناعات إلى الخارج.
وأشار شقير، إلى أن الحكومة الأمريكية استحوذت على حصص في عشرات الشركات من خلال تحويل المنح الحكومية إلى أسهم، وشملت تلك الاستثمارات قطاعات المعادن النادرة، والليثيوم، وأشباه الموصلات، فيما يتبنى رئيس الوزراء البريطاني الجديد آندي بيرنهام توجهًا يمنح الدولة دورًا أكبر في إدارة قطاعات المياه والطاقة والنقل.
وأكد شقير، أن هذا الاتجاه أصبح ظاهرة عالمية، حيث تشير التقديرات إلى أن أصولًا تصل قيمتها إلى نحو نصف تريليون دولار خضعت لعمليات تأميم خلال العقد الماضي.
تشوهات جديدة في آليات السوق
وقال سامر شقير: إن التحولات الحالية قد تؤدي إلى اتساع ظاهرة تغليب مصالح المنتجين المرتبطين بالدولة على حساب المنافسة الحرة، خاصة عندما تصبح الحكومة في الوقت نفسه المالك والمنظم للسوق.
وأضاف شقير، أن هذا النموذج يرفع احتمالات تقديم دعم غير مباشر لبعض الشركات أو إعادة توجيه الموارد وفق اعتبارات سياسية، وهو ما قد يؤدي إلى تراجع مستويات الشفافية وتشويه كفاءة التسعير داخل الأسواق.
تخصيص رأس المال يدخل مرحلة مختلفة
وأوضح سامر شقير، أن تنامي الملكية الحكومية يغير بصورة جوهرية طريقة تخصيص رأس المال داخل الأسواق العالمية، إذ أصبح المستثمرون المؤسسيون يراقبون أثر المشاركة الحكومية على تقييمات الشركات المستهدفة.
وأضاف شقير، أن عددًا من الأسهم سجل ارتفاعات قوية عقب الإعلان عن دخول الحكومات كمساهمين، ليس نتيجة تحسن الأداء التشغيلي، وإنما بفعل توقعات المستثمرين باستمرار الدعم الحكومي.
وأكد شقير، أن الأسواق أصبحت تسعر النفوذ السياسي والدعم الحكومي إلى جانب الربحية التشغيلية، وهو ما يغير مفهوم العائد المعدل بالمخاطر بالنسبة للمستثمرين على المدى الطويل.
وأشار شقير، إلى أن الإفراط في الملكية الحكومية قد يؤدي أيضًا إلى تراجع استثمارات القطاع الخاص في القطاعات المجاورة، نتيجة المخاوف من غياب تكافؤ الفرص مع الشركات المدعومة حكوميًّا.
بدائل أكثر كفاءة من الملكية المباشرة
وأوضح سامر شقير، أن هناك أدوات أكثر كفاءة لدعم القطاعات الاستراتيجية دون اللجوء إلى الملكية المباشرة، من بينها التنظيم المستقل، والقروض الميسرة، وبرامج الدعم المرتبطة بتحقيق مؤشرات أداء واضحة.
وأضاف شقير، أن هذه الآليات تضمن استمرار الحوافز الإنتاجية، وتحافظ على كفاءة الإدارة، دون تحميل الحكومات مخاطر التشغيل أو التدخل المباشر في القرارات الإدارية.
النموذج السعودي يقدم مسارًا مختلفًا
وأشار سامر شقير، إلى أن منطقة الخليج، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، تقدم نموذجًا مختلفًا في إدارة العلاقة بين الدولة والأسواق.
وأوضح شقير، أن رؤية المملكة 2030 تقوم على توسيع دور القطاع الخاص وجذب الاستثمار الأجنبي المباشر، مع توظيف صندوق الاستثمارات العامة كمستثمر استراتيجي يشارك في تطوير القطاعات ذات الأولوية، دون أن يحل محل آليات السوق أو يحد من المنافسة.
وأضاف شقير، أن هذا النهج يحقق توازنًا بين توجيه رأس المال نحو القطاعات الاستراتيجية، مثل التصنيع، والسياحة، والاقتصاد الرقمي، وبين الحفاظ على ديناميكية السوق ومرونة القطاع الخاص.
وأكد شقير، أن الخليج يمتلك فرصة كبيرة لتعزيز مكانته كوجهة جاذبة لرؤوس الأموال المؤسسية العالمية، إذا استمر في الفصل بين الاستثمار الاستراتيجي والتدخل التشغيلي، لأن المستثمرين يبحثون عن بيئات تتسم بحوكمة واضحة وعوائد مستقرة بعيدًا عن التشوهات السياسية.
وأشار شقير، إلى أن أسواق المال الخليجية، وفي مقدمتها السوق المالية السعودية، قد تستفيد من تدفقات استثمارية متزايدة تبحث عن أسواق تعتمد على الإنتاجية والابتكار أكثر من اعتمادها على الحماية الحكومية.
المخاطر والفرص أمام المستثمرين
وأوضح سامر شقير، أن أبرز المخاطر تتمثل في احتمالات تراجع الإنتاجية على المدى الطويل، وارتفاع تكلفة رأس المال بالنسبة للشركات غير المدعومة، إضافة إلى إمكانية إعادة تسعير الأصول المرتبطة بالدولة مع تغير الأولويات السياسية.
وأضاف شقير، أن توسع الملكية الحكومية قد يفرض ضغوطًا إضافية على المالية العامة إذا تحولت الشركات المملوكة للدولة إلى مراكز خسائر مستمرة.
وأكد شقير، أن الفرص الاستثمارية تتركز في القطاعات التي تستفيد من الإنفاق الحكومي دون الاعتماد الكامل على الملكية العامة، مثل مشروعات البنية التحتية للطاقة المتجددة، وسلاسل توريد المعادن الحرجة، وتقنيات الأمن السيبراني.
وأشار شقير، إلى أن صناديق الثروة السيادية والشركات الخاصة القادرة على بناء شراكات استراتيجية مع الحكومات، مع الحفاظ على استقلالية الحوكمة، قد تحقق أداءً يفوق متوسط السوق خلال السنوات المقبلة.
الآفاق الاستراتيجية
واختتم سامر شقير حديثه بالتأكيد على أن الاقتصاد العالمي يتجه نحو مرحلة أطول من السياسات الصناعية النشطة، إلا أن التجارب التاريخية أثبتت أن الملكية الحكومية المباشرة نادرًا ما تمثل الحل الأكثر كفاءة لتحقيق النمو المستدام.
وأضاف شقير، أن المنافسة الحرة والقطاع الخاص سيظلان المحرك الأساسي للابتكار والإنتاجية، فيما سيبقى التحدي الأكبر أمام المستثمرين المؤسسيين هو التمييز بين التدخلات الحكومية التي تعزز المرونة الاقتصادية، وتلك التي تؤدي إلى تشوهات طويلة الأجل في الأسواق.
وأكد شقير، أن رأس المال العالمي سيواصل تفضيل البيئات التي تنجح في تحقيق التوازن بين الدعم الحكومي المستهدف والحفاظ على آليات السوق، مشيرًا إلى أن التحليل الدقيق لتخصيص الموارد وجودة الحوكمة سيصبحان العامل الحاسم في بناء محافظ استثمارية قادرة على تحقيق قيمة مستدامة عبر مختلف الدورات الاقتصادية والسياسية.
