166 مليار دولار تعود للشركات الأمريكية.. سامر شقير يقرأ انعكاسات أكبر استرداد جمركي على الأسواق
قال رائد الاستثمار سامر شقير: إن الأسواق العالمية تشهد واحدة من أكبر عمليات إعادة توزيع السيولة المؤسسية خلال السنوات الأخيرة، بعدما بدأت الحكومة الأمريكية في إعادة نحو نصف الرسوم الجمركية التي أُلغيت بموجب حكم المحكمة العليا في فبراير 2026، مشيرًا إلى أن المبالغ المقدرة بنحو 166 مليار دولار تتدفق حاليًّا إلى الميزانيات العمومية للمستوردين، لتفتح نقاشًا استثماريًّا واسعًا حول المستفيد الحقيقي من هذه التدفقات، وانعكاساتها على تخصيص رأس المال وهوامش الربحية وسلوك المستهلكين في ظل استمرار التوترات التجارية.
وأوضح شقير، أن هذه العملية لا تمثل مجرد تصحيح قانوني، وإنما تعد اختبارًا حقيقيًّا لقدرة الشركات على توظيف تدفقات نقدية غير متوقعة في خلق قيمة طويلة الأجل، بدلًا من الاكتفاء بتعزيز الأرباح قصيرة الأجل على حساب ثقة المستثمرين والأسواق.
حكم قضائي أعاد توزيع 166 مليار دولار
وأشار سامر شقير، إلى أن الإدارة الأمريكية فرضت خلال عام 2025 رسومًا جمركية واسعة النطاق استنادًا إلى قانون سلطات الطوارئ الاقتصادية الدولية، ونجحت في تحصيل إيرادات قدرت بنحو 166 مليار دولار.
وأضاف شقير، أن المحكمة العليا الأمريكية قضت في فبراير 2026، بأغلبية 6 مقابل 3، بعدم قانونية تلك الرسوم، معتبرة أنها تجاوزت الصلاحيات الرئاسية في فرض ضرائب على الواردات، قبل أن تصدر محكمة التجارة الدولية قرارًا بإعادة جميع المبالغ المستحقة، مضافًا إليها الفوائد، إلى المستوردين المسجلين.
وأوضح شقير، أن الجمارك الأمريكية كانت قد أعادت حتى أوائل أغسطس 2026 نحو 100 مليار دولار، أي ما يزيد على نصف القيمة الإجمالية المتوقعة، لافتًا إلى أن المستفيدين الرئيسيين هم الشركات التي سددت الرسوم بصورة مباشرة، وليس المستهلكون الذين تحملوا جزءًا كبيرًا من التكلفة عبر ارتفاع الأسعار.
وأضاف شقير، أن تقديرات سابقة أظهرت أن متوسط العبء الإضافي الذي تحملته الأسر الأمريكية تراوح بين ألف دولار و1.7 ألف دولار خلال فترة تطبيق الرسوم الجمركية.
شركات كبرى حصلت على مليارات الدولارات
وأوضح سامر شقير، أن عددًا من الشركات العالمية الكبرى بدأ بالفعل في الاستفادة من هذه المبالغ، حيث حصلت أمازون على نحو 600 مليون دولار خلال الربع الثاني، بينما تلقت آبل ما يصل إلى 2.2 مليار دولار، وهو ما ساهم في تسجيل أقوى ربع يونيو في تاريخ الشركة.
وأضاف شقير، أن شركة فورد استردت نحو 1.3 مليار دولار، بينما حصلت جنرال موتورز على نحو 500 مليون دولار، واستردت نايكي ما يقرب من مليار دولار، في حين تشير بعض التقديرات إلى أن وولمارت قد تكون مؤهلة للحصول على مبالغ أكبر بكثير.
اختلاف استراتيجيات الشركات في التعامل مع الاسترداد
وأشار سامر شقير، إلى وجود تباين واضح في مواقف الشركات بشأن كيفية استخدام الأموال المستردة، موضحًا أن أمازون أعلنت اعتزامها إعادة جزء محدود من تلك المبالغ إلى العملاء في الحالات التي يمكن فيها تتبع الرسوم الإضافية التي تحملوها بصورة مباشرة، مع التواصل معهم بشكل استباقي.
وأضاف شقير، أن شركات مثل يو بي إس وفيديكس ودل ووولمارت وكوستكو أعلنت كذلك نيتها إعادة جزء من القيمة إلى العملاء أو الأعضاء، بينما فضلت شركات أخرى الاحتفاظ بالأموال لتدعيم استثماراتها أو تحسين هوامش الربحية.
وأكد شقير، أن هذا الانقسام يعكس اختلافًا في فلسفة حوكمة الشركات وإدارة رأس المال، موضحًا أن الشركات التي تعيد جزءًا من المبالغ إلى العملاء تبني رصيدًا طويل الأجل من الثقة قد يتحول إلى مكاسب في الحصة السوقية، بينما قد تحقق الشركات التي تحتفظ بكامل المبالغ أرباحًا مؤقتة، لكنها تصبح أكثر عرضة لمخاطر قانونية وضغوط استهلاكية مستقبلية.
وأشار شقير، إلى أن المستهلكين لا يملكون حق المطالبة المباشرة باسترداد هذه الأموال من الحكومة، لأن التعويض يقتصر قانونيًّا على "المستورد المسجل"، إلا أن دعاوى جماعية رُفعت بالفعل ضد بعض الشركات، كما طُرحت مشروعات قوانين داخل الكونغرس لإلزام الشركات الكبرى بإعادة جزء من تلك المبالغ إلى المستهلكين.
السيولة الجديدة تدعم الأرباح لكن أثرها الاقتصادي يعتمد على استخدامها
وأوضح سامر شقير، أن هذه التدفقات النقدية تمثل دعمًا مباشرًا للأرباح والتدفقات النقدية الحرة في قطاعات التجزئة والسيارات والتكنولوجيا، مشيرًا إلى أن آبل استفادت بالفعل من هذه المبالغ في نتائجها الفصلية، وأعلنت توجيه جزء منها إلى استثمارات تصنيعية داخل الولايات المتحدة.
وأضاف شقير، أن أمازون أوضحت أن الجزء الأكبر من الرسوم تحملته داخليًّا، وهو ما يجعل الاسترداد يعزز قدرتها على الحفاظ على أسعار تنافسية، مؤكدًا أن هذه المبالغ قد تنعكس إيجابًا على هوامش الربح الإجمالي في قطاعات التجزئة والإلكترونيات والسيارات، إلا أن تأثيرها الكلي على النشاط الاقتصادي قد يكون أقل من حجمها الظاهر.
وأشار شقير، إلى أن تحليلًا صادرًا عن بنك الاحتياطي الفيدرالي في أتلانتا قدر أن نحو 34% فقط من إجمالي المبالغ، بما يعادل نحو 56 مليار دولار، سيذهب إلى شركات تعاني قيودًا تمويلية، وهي الأكثر احتمالًا لاستخدام الأموال في التوسع أو التوظيف أو خفض الأسعار، بينما قد يُستخدم الجزء المتبقي في سداد الديون أو توزيع الأرباح أو تعزيز الاحتياطيات.
وأضاف شقير، أن المستثمرين المؤسسيين يركزون حاليًا على كيفية توظيف هذه السيولة، موضحًا أن تحويلها إلى استثمارات رأسمالية أو خفض الأسعار يدعم النمو الاقتصادي، بينما يؤدي توجيهها إلى إعادة شراء الأسهم أو توزيعات الأرباح إلى تقليص أثرها على الاقتصاد الحقيقي، خاصة مع استمرار العمل برسوم جمركية أخرى مفروضة بموجب سلطات قانونية مختلفة.
التحولات الهيكلية في التجارة العالمية مستمرة
وأوضح سامر شقير، أن الرسوم الجمركية الأصلية ساهمت في إعادة تشكيل سلاسل الإمداد العالمية، بعدما تراجعت التجارة المباشرة بين الولايات المتحدة والصين، واتجه جزء من التدفقات التجارية إلى دول رابطة آسيان والمكسيك.
وأضاف شقير، أن استرداد الرسوم لا يلغي هذه التحولات الهيكلية، مؤكدًا أن الشركات التي نجحت في إعادة توطين جزء من إنتاجها أو تنويع مصادر التوريد ما زالت تحتفظ بمزايا تنافسية حتى بعد استعادة الأموال.
وأشار شقير، إلى أن الاقتصادات الخليجية، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية في إطار مستهدفات رؤية 2030، قد تستفيد من تحسن استقرار سلاسل التوريد العالمية وانخفاض بعض تكاليف الاستيراد الأمريكية، بما يدعم تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى قطاعات اللوجستيات والتصنيع والسياحة والتقنيات الرقمية.
وأضاف شقير، أن صندوق الاستثمارات العامة والمستثمرين المؤسسيين في المنطقة يتابعون باهتمام الشركات الأمريكية الكبرى التي حصلت على هذه التدفقات، خاصة تلك التي تمتلك خطط توسع في الخليج أو ترتبط بشراكات صناعية داخل المنطقة.
وأكد شقير، أن المستثمر الخليجي ينبغي أن ينظر إلى هذه التطورات باعتبارها عاملًا مؤثرًا في تكلفة رأس المال العالمية وتقييمات شركات التجزئة والتكنولوجيا، لافتًا إلى أن الفرص الحقيقية تتركز في الشركات التي تحول الأموال المستردة إلى استثمارات إنتاجية تدعم التنويع الاقتصادي، وليس إلى أرباح محاسبية مؤقتة.
مخاطر قائمة رغم المكاسب الحالية
وأشار سامر شقير، إلى أن عددًا من المخاطر لا يزال قائمًا، موضحًا أن القيمة الكاملة للرسوم قد لا تُعاد بسبب وجود مطالبات غير مكتملة أو نزاعات قانونية أو خروج بعض الشركات من السوق.
وأضاف شقير، أن استمرار العمل برسوم جمركية أخرى مفروضة بموجب سلطات قانونية مختلفة يحد من احتمالات حدوث انخفاض واسع في الأسعار، في حين قد تؤدي الضغوط التضخمية الناتجة عن التوترات الجيوسياسية إلى امتصاص جزء من الفوائد المتوقعة.
وأوضح شقير، أنه في السيناريو الأساسي ستحتفظ معظم الشركات بجزء كبير من الأموال المستردة، وهو ما يدعم أرباحها خلال عامي 2026 و2027 مع تأثير محدود على التضخم الاستهلاكي، بينما يفترض السيناريو الأكثر إيجابية تعرض الشركات لضغوط سياسية وقانونية تدفعها إلى إعادة نسبة أكبر من المبالغ إلى المستهلكين، بما يدعم الطلب ويحد من مخاطر التباطؤ الاقتصادي.
توقعات استثمارية
واختتم سامر شقير حديثه بالتأكيد على أن استرداد 166 مليار دولار لا يمثل مجرد تصحيح محاسبي، بل يعيد طرح سؤال جوهري حول مَن يتحمل تكلفة السياسات التجارية ومَن يجني مكاسب تصحيحها.
وأضاف شقير، أن المستثمرين المؤسسيين سيعيدون تقييم الشركات المستفيدة وفقًا لكيفية توظيف السيولة الجديدة، متوقعًا أن تحظى الشركات التي تتمتع بحوكمة قوية وشفافية في التعامل مع المستهلكين بتقييمات أعلى على المدى المتوسط، بينما قد تواجه الشركات التي تحتفظ بكامل المبالغ مخاطر تتعلق بالسمعة والتنظيم.
وأشار شقير، إلى أن إفصاحات الأرباح والتدفقات النقدية الحرة خلال الأشهر المقبلة ستكشف الاتجاه الحقيقي لاستخدام هذه الأموال، مؤكدًا أن القدرة على قراءة هذه المؤشرات مبكرًا ستشكل عنصرًا حاسمًا في أداء محافظ صناديق الثروة السيادية ومديري الأصول والمستثمرين المؤسسيين خلال النصف الثاني من عام 2026 وما بعده.
