بوابة أنا آدم

سامر شقير يكتب: مصر تنتقل من الشمول المالي إلى الرفاه الاستثماري

السبت 31 أكتوبر 2026 11:25 صـ 19 جمادى أول 1448 هـ
سامر شقير
سامر شقير

لم يعد مستقبل التكنولوجيا المالية في مصر مرتبطًا بعدد المستخدمين أو سرعة انتشار الخدمات الرقمية فقط، بل أصبح مرهونًا بقدرة السوق على تحويل الابتكار إلى أدوات استثمار حقيقية تجذب رؤوس الأموال المؤسسية، ومن هنا تكتسب النسخة الخامسة من ملتقى صناعة التكنولوجيا المالية JRNY 2026 أهمية خاصة، مع انعقادها خلال الفترة من 30 أكتوبر إلى 1 نوفمبر على الساحل الشمالي، بالتعاون مع البورصة المصرية والمختبر التنظيمي للهيئة العامة للرقابة المالية.
أرى أن الملتقى يمثل خطوة نوعية في انتقال المنظومة المصرية من مرحلة الشمول المالي إلى بناء أدوات أكثر تنوعًا واستقرارًا، خصوصًا أن الحوار المباشر بين الجهات التنظيمية والبنوك وشركات التكنولوجيا المالية والمستثمرين يعيد تشكيل قنوات تخصيص رأس المال في القطاع غير المصرفي وأسواق رأس المال الرقمية.
وتكتسب مشاركة رئيس البورصة المصرية عمر رضوان، وقيادات من البورصة، إلى جانب أحمد خليفة المدير التنفيذي للمختبر التنظيمي، ومساعد رئيس الهيئة محمود جبريل، أهمية إضافية، باعتبارها مؤشرًا على توجه نحو ربط الابتكار المالي باستقرار الأسواق وتطوير أدوات الاستثمار، وليس مجرد توسيع قاعدة العملاء.

من الشمول المالي إلى الرفاه المالي
أعتقد أن انتقال النقاش من الشمول المالي إلى الرفاه المالي يعكس إدراكًا بأن زيادة عدد المستخدمين لا تكفي ما لم تتوافر منتجات ادخار واستثمار أكثر تنوعًا، بدلًا من الاقتصار على الخدمات المرتبطة بالسيولة قصيرة الأجل.
ويأتي ذلك في وقت يحتاج فيه الاقتصاد المصري إلى قنوات تمويل بديلة تخفف الضغط على التمويل المصرفي التقليدي، في ظل ارتفاع تكلفة رأس المال وتقلبات سعر الصرف، كما أن مشاركة ما بين 100 و120 من قادة القطاع، بينهم ممثلون عن البنوك وشركات التكنولوجيا المالية والمستثمرين والجهات التنظيمية، توفر مساحة لاختبار جاهزية السوق لاستيعاب أدوات جديدة دون التأثير في الاستقرار المالي.

رأس المال المؤسسي يبحث عن فرص رقمية
من وجهة نظري، يعكس حضور EFG Hermes ONE كشريك استثمار، وراية داتا سنتر، إحدى شركات راية لتكنولوجيا المعلومات التابعة لراية القابضة للاستثمارات المالية، تنامي الاهتمام بالربط بين البنية التحتية الرقمية ومنصات التداول والاستثمار.
وأرى أن الفرص الاستثمارية الأبرز ستكون في المنصات القادرة على توسيع الوصول إلى أدوات الاستثمار الرقمية والتكامل مع الأنظمة المصرفية القائمة، بدلًا من منافستها بالكامل، كما قد تستفيد الشركات التي تنجح في تحويل الحوار التنظيمي إلى منتجات قابلة للتوسع في التمويل غير المصرفي والتداول الرقمي.
وفي المقابل، تظل النماذج التي تعتمد على النمو السريع دون إطار رقابي واضح أو تكامل تشغيلي مع البنوك أكثر عرضة للمخاطر.

الفرص والمخاطر التنظيمية
أميل إلى أن أسواق رأس المال الرقمية والمنصات الاستثمارية ستكون من أبرز القطاعات المستفيدة من مناقشة آليات التكامل المصرفي وتطوير أدوات الاستثمار الجديدة، كما أن مشاركة قيادات البورصة قد تدعم تطوير منتجات تجمع بين الشفافية التنظيمية والابتكار التقني.
وتبرز البنية التحتية السحابية والأمنية، التي يمثلها حضور راية داتا سنتر، باعتبارها عنصرًا أساسيًّا لتمكين هذا التوسع، بينما يظل قطاعا المدفوعات والتمويل الاستهلاكي أكثر حساسية للتغييرات التنظيمية المفاجئة.
لكنني أرى أن التحدي الرئيسي يتمثل في سرعة تحويل النقاشات إلى قرارات تنظيمية ومنتجات قابلة للتداول، خاصة مع استمرار الضغوط الاقتصادية على الطلب وتكاليف التمويل، ويمكن للتعاون مع المختبر التنظيمي للهيئة العامة للرقابة المالية أن يقلل عدم اليقين التنظيمي إذا استمر الحوار المفتوح وتحول إلى مسارات تنفيذية واضحة.

مستقبل الاستثمار الرقمي في مصر
إذا استمر التكامل بين التكنولوجيا المالية والبنوك وتوسعت أدوات الاستثمار، فقد نشهد زيادة تدريجية في تدفقات رأس المال المؤسسي نحو المنصات الرقمية المرتبطة بأسواق رأس المال المصرية، وستكون الشركات صاحبة التراخيص الواضحة والشراكات المصرفية والقدرة على التكامل التشغيلي أكثر استعدادًا لجذب التمويل طويل الأجل.
كما يمكن لدول الخليج، التي تركز على التنويع الاقتصادي والرقمي، الاستفادة من التجربة المصرية في فهم دور الجهات التنظيمية في توجيه الابتكار، دون افتراض إمكانية نقل النموذج بصورة مباشرة.
رسالتي للمستثمرين المؤسسيين هي تبني استثمارات متدرجة وانتقائية في الأصول المرتبطة بالتمويل غير المصرفي ومنصات الاستثمار الرقمية، مع إعطاء الأولوية للشركات المشاركة فعليًّا في الحوار التنظيمي والمرتبطة بشراكات مصرفية واضحة.
في النهاية، يمثل JRNY 2026 مؤشرًا على النضج التدريجي للتكنولوجيا المالية المصرية، لكن القيمة الاستثمارية الحقيقية لن تتحدد بحجم المشاركة، بل بقدرة الملتقى على تحويل النقاشات إلى منتجات مستقرة وقنوات تمويل قابلة للقياس خلال الأشهر المقبلة.