بوابة أنا آدم

سامر شقير يكتب: هل تواجه السعودية مصير اليابان بحلول 2050؟

الأحد 1 نوفمبر 2026 12:46 مـ 20 جمادى أول 1448 هـ
سامر شقير
سامر شقير

قد لا تكون أخطر التحديات التي تواجه الاقتصادات الكبرى مرتبطة بالديون أو التضخم أو تقلبات الأسواق، بل بعدد الأشخاص القادرين على العمل والإنتاج وتمويل النمو في المستقبل، ومن هنا، أرى أن المقارنة بين السعودية واليابان في عام 2026 تتجاوز الفوارق السكانية، لتكشف عن معركة اقتصادية طويلة الأجل ستحدد اتجاهات الاستثمار وتخصيص رأس المال حتى عام 2050.
فبينما انخفض عدد المواطنين اليابانيين إلى أقل من 120 مليون نسمة، لا تزال المملكة العربية السعودية تتمتع بتركيبة سكانية شابة نسبيًّا، تمنحها فرصة للاستفادة من العائد الديموغرافي، وفي تقديري، يمثل هذا الاختلاف فرصة استراتيجية للسعودية، لكنه ليس ضمانة تلقائية للنمو، بل يرتبط بقدرتها على تحويل الشباب إلى قوة إنتاجية مؤهلة، خاصة في مجالات الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي ضمن رؤية 2030.

اليابان أمام تحدي الشيخوخة
أرى أن اليابان تواجه ضغوطًا هيكلية متزايدة نتيجة انخفاض معدلات الخصوبة وارتفاع نسبة كبار السن، وهو ما ينعكس على حجم القوى العاملة والنمو الاقتصادي المحتمل والاستدامة المالية طويلة الأجل.
هذا التحول لا يؤثر فقط في حجم الاقتصاد، بل يعيد تشكيل طبيعة الطلب المحلي، مع تزايد أهمية الرعاية الصحية والخدمات الموجهة لكبار السن والتكنولوجيا المساعدة.
في المقابل، تشير التوقعات السكانية المتاحة إلى استمرار نمو عدد السكان في السعودية حتى عام 2050، مع احتفاظ المملكة بنسبة مرتفعة نسبيًّا من السكان في سن العمل، وأعتقد أن ذلك يمنح الاقتصاد السعودي نافذة زمنية أطول لتعزيز رأس المال البشري ورفع الإنتاجية قبل اشتداد الضغوط الديموغرافية.

اختلاف الأسواق يعيد توجيه الاستثمارات
من وجهة نظري، تفرض هذه التحولات على المستثمرين المؤسسيين التعامل مع الاقتصادين وفق استراتيجيتين مختلفتين.
في اليابان، تتركز الفرص في الشركات القادرة على تعويض نقص العمالة من خلال الأتمتة والذكاء الاصطناعي، إلى جانب قطاعات الرعاية الصحية والتكنولوجيا المساعدة.
أما في السعودية، فتتمثل الأولوية في الشركات التي تستطيع استيعاب الأعداد المتزايدة من الداخلين إلى سوق العمل، وتطوير البنية الرقمية، وتوفير حلول ترفع إنتاجية الاقتصاد.
وأرى أن صناديق الاستثمار الباحثة عن النمو طويل الأجل قد تجد في المملكة فرصة مرتبطة بالتحول الديموغرافي، بشرط نجاحها في تحويل الشباب إلى كوادر تمتلك مهارات رقمية متقدمة، بينما يرتبط الاستثمار في اليابان بدرجة أكبر بالكفاءة التشغيلية والقدرة على تحقيق النمو في ظل نقص الموارد البشرية.

الذكاء الاصطناعي مفتاح اختلاف المسارين
أعتقد أن الذكاء الاصطناعي يمثل عاملًا مشتركًا بين التجربتين، لكنه يؤدي وظيفتين اقتصاديتين مختلفتين.
في اليابان، يمكن أن يكون أداة لتعويض تراجع القوى العاملة والحفاظ على مستويات الإنتاج، بينما تستطيع السعودية استخدامه لتعظيم إنتاجية قوة عاملة شابة ومتنامية.
ولهذا، أفضّل توجيه الاستثمارات السعودية نحو البنية التحتية الرقمية والتدريب وبناء القدرات البشرية، بالتوازي مع الاستثمار في الشركات التي تطور تطبيقات الذكاء الاصطناعي وتربطها بالقطاعات الإنتاجية.

المخاطر والفرص الاستثمارية
لا أرى أن السعودية بمنأى تمامًا عن التحديات الديموغرافية، فتراجع معدلات الخصوبة يعني أن التركيبة السكانية ستشهد تحولات تدريجية خلال العقود المقبلة.
وإذا لم تنعكس الاستثمارات في التعليم والتدريب والتكنولوجيا على الإنتاجية وفرص العمل الحقيقية، فقد تفقد المملكة جزءًا من العائد المتوقع من نافذتها الديموغرافية.
في المقابل، تبرز فرص مهمة أمام الشركات السعودية التي تعمل على تطوير القدرات الرقمية المحلية، وكذلك الشراكات الاستثمارية التي تربط رأس المال السعودي بالتكنولوجيا اليابانية، خصوصًا في مجالات الأتمتة والإنتاجية والرعاية الصحية.
كما أرى أن تعميق العلاقات الاستثمارية بين البلدين، بما في ذلك توجه صندوق الاستثمارات العامة نحو زيادة انكشافه على اليابان، يمكن أن يفتح قنوات لتبادل الخبرات والتكنولوجيا والتعامل مع التحولات السكانية.

رؤية 2030 واختبار عام 2050
من وجهة نظري، يمتلك الاقتصاد السعودي فرصة مهمة لتحويل التركيبة السكانية الشابة إلى ميزة تنافسية مستدامة، من خلال ربط التدريب باحتياجات سوق العمل، وتمكين الشباب في مجالات البيانات والذكاء الاصطناعي، وجذب الاستثمارات الأجنبية التي تعتمد على المواهب المحلية.
وفي السيناريو الأكثر إيجابية، تستطيع المملكة الحفاظ على نمو اقتصادي مدعوم بارتفاع الإنتاجية وتوسع الاقتصاد الرقمي، بما يؤجل ظهور الضغوط الديموغرافية التي تواجهها الاقتصادات المتقدمة.
أما السيناريو الأقل إيجابية، فيرتبط بتباطؤ تحويل المهارات إلى وظائف منتجة، وهو ما قد يقلص العائد الديموغرافي ويرفع الضغوط على المالية العامة مستقبلًا.

تخصيص رأس المال حتى 2050
في تقديري، يجب أن يتعامل المستثمرون المؤسسيون مع السعودية واليابان باعتبارهما اقتصادين يمران بمرحلتين ديموغرافيتين مختلفتين تمامًا.
في السعودية، أفضّل زيادة الاهتمام بالقطاعات المرتبطة ببناء القدرات البشرية والبنية الرقمية والذكاء الاصطناعي، مع متابعة مؤشرات الإنتاجية ومشاركة الشباب في سوق العمل.
وفي اليابان، أرى فرصًا أكبر في الشركات التي تستطيع تحقيق الكفاءة التشغيلية من خلال التكنولوجيا والأتمتة، إلى جانب القطاعات المستفيدة من ارتفاع الطلب على خدمات كبار السن.
وأعتقد أن العامل الحاسم ليس حجم السكان وحده، بل قدرة كل اقتصاد على تحويل موارده البشرية إلى قيمة اقتصادية.
السعودية تمتلك اليوم نافذة ديموغرافية مهمة، لكنها ليست مفتوحة إلى الأبد، وإذا نجحت في استثمار هذه الفرصة ضمن رؤية 2030، فقد تتحول التركيبة السكانية إلى أحد أهم محركات النمو والاستثمار حتى عام 2050، أما التأخر في بناء الإنتاجية والمهارات فقد يجعل التحديات الديموغرافية أكثر إلحاحًا مما تتوقعه الأسواق حاليًّا.