الإثنين 5 أكتوبر 2026 10:15 مـ 22 ربيع آخر 1448 هـ
بوابة أنا آدم
المدير العام منى باروما رئيس التحرير محمد الغيطي
×

سامر شقير يكتب: أخطر مستثمر ليس مَن يخسر أولًا.. جيم بول ودبي حين تحولت الثقة إلى رافعة

الأحد 4 أكتوبر 2026 11:54 صـ 21 ربيع آخر 1448 هـ
سامر شقير
سامر شقير

أحيانًا يبدأ الخطر من قرار صحيح حقق عائدًا ممتازًا، ثم يتحول النجاح إلى قناعة بأن القرار المقبل سيكون صحيحًا أيضًا. ومع تكرار النتائج الجيدة، يتراجع الحذر تدريجيًا، ويصبح المستثمر أكثر استعدادًا لزيادة حجم الرهان، أو قبول تمويل أكبر، أو الدخول في مشاريع أطول وأكثر تعقيدًا.

هذه إحدى الأفكار التي تجعل كتاب What I Learned Losing a Million Dollars لجيم بول وبريندان موينيهان مهمًا في فهم سلوك المستثمر. فالقصة لا تتعلق بالخسارة وحدها، بل بالطريق الذي يقود إليها: كيف يمكن للنجاح أن يغير طريقة تفكير صاحبه قبل أن يغير حجم محفظته.

دبي.. عندما أصبح النجاح السابق أساسًا للرهان التالي

تقدم تجربة دبي قبل الأزمة المالية العالمية مثالًا واسعًا على هذه الديناميكية، مع التأكيد على أن ما حدث لم يكن نتيجة سلوك مستثمر فرد، بل نتج عن تداخل النمو الاقتصادي والائتمان والعقار والتمويل المؤسسي.

بين 2004 و2008، توسعت كيانات مرتبطة بحكومة دبي في الاقتراض لتمويل استثمارات كبيرة، خصوصًا في العقارات والبنية المرتبطة بها. ومع استمرار النمو، ارتفعت مستويات الرافعة المالية إلى مستويات أصبحت معها قيمة الأصول وقدرة التمويل على الاستمرار مرتبطتين بدرجة كبيرة باستمرار الدورة الصاعدة.

وصف صندوق النقد الدولي هذه المرحلة بأنها فترة شهدت تراكمًا كبيرًا للديون، قبل أن تنفجر الفقاعة العقارية في منتصف 2008.

لكن الأهم بالنسبة لي ليس حجم الاقتراض، بل المنطق الذي يمكن أن يقف خلفه.

عندما ينجح مشروع عقاري، تبدو زيادة حجم المشروع التالي خطوة طبيعية. وعندما ينجح التمويل الأول، يصبح الحصول على تمويل أكبر أمرًا أقل إثارة للقلق. وإذا ارتفعت قيمة الأرض، فإن الأصل التالي يبدأ من تقييم أعلى.

هكذا يمكن أن تتشكل سلسلة من القرارات المنطقية منفردة، لكنها تصبح شديدة الحساسية عندما تعتمد جميعها على استمرار الظروف نفسها.

المشكلة ليست في الدين.. بل في الافتراض الذي يقف خلفه

الاقتراض ليس خطأ في حد ذاته. رأس المال المقترض يمكن أن يرفع العائد على الاستثمار، ويمكّن الشركات من تنفيذ مشاريع لا تستطيع تمويلها بالكامل من مواردها الذاتية.

المشكلة تبدأ عندما يصبح استمرار التمويل جزءًا من افتراضات نموذج العمل بدلًا من كونه متغيرًا يجب اختباره.

الدين له موعد استحقاق، بينما الأصل العقاري قد يحتاج سنوات حتى يتحول إلى تدفقات نقدية. وإذا كان الالتزام المالي أقصر بكثير من دورة الاستثمار، فإن نجاح المشروع يصبح مرتبطًا بإمكانية إعادة التمويل قبل اكتمال دورة العائد.

وهنا تظهر إحدى أهم قواعد إدارة رأس المال: لا يكفي أن يكون الأصل جيدًا؛ يجب أن يتناسب أجل التمويل مع طبيعة التدفقات التي يولدها الأصل.

أشار صندوق النقد الدولي إلى أن جزءًا مهمًا من ديون الكيانات المرتبطة بدبي كان قصير الأجل نسبيًا مقارنة بالأفق الزمني الذي تحتاجه مشاريع التطوير العقاري. وعندما انكمش سوق العقارات وتشددت أوضاع الائتمان عالميًا، ظهر هذا الاختلال بوضوح.

لم تكن المشكلة أن المباني اختفت، أو أن قيمة كل أصل أصبحت صفرًا.

المشكلة أن الالتزامات استمرت في الوصول إلى مواعيدها بينما تغيرت قدرة السوق على تمويلها.

2009.. اللحظة التي تغيرت فيها قراءة المخاطر

في نوفمبر 2009، طلبت دبي العالمية تعليق سداد بعض الديون تمهيدًا لإعادة الهيكلة. وكان لذلك أثر يتجاوز الشركة نفسها، لأنه أجبر الأسواق على إعادة تقييم الافتراضات التي بنت عليها تسعير مخاطر دبي.

قبل ذلك، كان هناك تصور لدى بعض المستثمرين بأن وجود صلة حكومية قد يعني مستوى معينًا من الدعم عند الضرورة. لكن إعادة الهيكلة أظهرت أن العلاقة بالجهة الحكومية لا تعني تلقائيًا ضمانًا قانونيًا لكل التزامات الكيانات المرتبطة بها.

انعكس ذلك سريعًا على الأسعار.

وبحسب صندوق النقد الدولي، تراجع سعر سند نخيل المستحق في ديسمبر من 111 في 23 نوفمبر إلى نحو 50 سنتًا، بينما ارتفعت تكلفة التأمين على ديون دبي بصورة حادة.

وهنا يظهر أحد أخطر عناصر الاستثمار بالاقتراض: عندما تتغير الثقة، لا يتحرك سعر الأصل وحده؛ قد تتغير تكلفة رأس المال، وشروط التمويل، وقيمة الضمانات، وإمكانية الوصول إلى السيولة في الوقت نفسه.

متى يصبح سجل النجاح مصدرًا للخطر؟

هذه النقطة هي الأكثر أهمية في قصة جيم بول.

النجاح السابق لا يخبرك وحده لماذا نجحت.

قد يكون السبب جودة القرار، وقد يكون توفر السيولة، أو انخفاض تكلفة الاقتراض، أو قوة الطلب، أو ارتفاع أسعار الأصول، أو ببساطة وجود دورة اقتصادية مواتية.

إذا لم تميز بين هذه العوامل، فإنك تخاطر بتحويل نتيجة جيدة إلى افتراض دائم.

وهذا ما يجعل بعض مراحل الصعود خطرة تحديدًا: الأرباح لا تمنح المستثمر المال فقط، بل تمنحه ثقة إضافية. وإذا لم تُراجع مصادر تلك الأرباح، يمكن أن تتحول الثقة إلى استعداد لقبول مخاطر لم يكن ليقبلها في البداية.

السؤال الصحيح بعد تحقيق عائد كبير ليس: كيف أكرر النتيجة؟

بل: لماذا تحققت النتيجة أصلًا؟

إذا كان جزء كبير منها ناتجًا عن بيئة ائتمانية استثنائية، فلا ينبغي بناء استراتيجية طويلة الأجل على افتراض استمرارها. وإذا كان الارتفاع ناتجًا عن دورة عقارية، فلا يصح التعامل معه كأنه نمو دائم في القيمة. وإذا كان التمويل الرخيص هو أحد محركات العائد، فإن ارتفاع تكلفة المال يجب أن يدخل مباشرة في اختبار جدوى الاستثمار.

المستثمر المحترف يختبر الحظ قبل أن يحتفل بالمهارة

لا أرى في تجربة دبي حجة ضد الاقتراض أو التطوير العقاري أو التوسع الاستثماري. هذه أدوات أساسية لبناء الثروة وتمويل النمو.

لكن كل أداة تصبح خطرة عندما تُستخدم من دون اختبار للسيناريو المعاكس.

قبل زيادة حجم الاستثمار، يجب أن أعرف ماذا يحدث إذا ارتفعت الفائدة، أو انخفضت قيمة الأصل، أو تأخر البيع، أو انكمشت السيولة، أو أصبح إعادة التمويل أكثر تكلفة، أو اختفى الدعم الذي افترضه السوق دون أن يكون مكتوبًا في العقد.

هذه ليست أسئلة تشاؤمية.

إنها الطريقة التي أعرف بها ما إذا كان العائد الذي حققته يمثل مهارة يمكن تكرارها، أم نتيجة استفادت من ظروف لن تبقى بالضرورة.

أخطر ما يمكن أن يفعله الربح

الخسارة الواضحة تجبر المستثمر على مراجعة نفسه.

أما الربح فقد يفعل العكس.

إنه قد يمنحه شعورًا بأن قراراته أكثر دقة مما هي عليه، وأن قدرته على تحمل المخاطر أكبر مما تسمح به أرقامه الفعلية. ومع كل نتيجة ناجحة، يمكن أن يرتفع حجم الرهان بينما تنخفض مساحة الخطأ.

لهذا لا أقيس جودة الاستثمار بحجم الربح وحده. أسأل عن مصدر العائد، ودرجة الاعتماد على الدين، وطول فترة الاستثمار، وطبيعة التدفقات النقدية، وما إذا كانت النتيجة ستظل ممكنة في بيئة مختلفة.

فالربح لا يصبح مشكلة عندما يتحقق، وإنما عندما يقنع صاحبه بأنه لن يحتاج إلى مراجعة الطريقة التي حققه بها.

وهنا يكمن الدرس الأهم من تجربة جيم بول ودبي: أخطر مستثمر ليس بالضرورة من خسر أولًا، بل من ربح بما يكفي ليعتقد أن النجاح أصبح صفة دائمة في قراراته.