الإثنين 5 أكتوبر 2026 10:15 مـ 22 ربيع آخر 1448 هـ
بوابة أنا آدم
المدير العام منى باروما رئيس التحرير محمد الغيطي
×

سامر شقير يكتب: لماذا السعودية الآن؟.. التوقيت سؤال سعر لا سؤال وجهة

الأحد 4 أكتوبر 2026 12:01 مـ 21 ربيع آخر 1448 هـ
سامر شقير
سامر شقير

السؤال «لماذا السعودية؟» لم يعد سؤالًا عن الوجهة الاستثمارية بقدر ما أصبح سؤالًا عن السعر.

فالقصة الاقتصادية أصبحت معروفة: اقتصاد غير نفطي يتوسع، قطاع خاص يزداد وزنًا، استثمارات ضخمة تتدفق إلى قطاعات جديدة، وإصلاحات تفتح السوق أمام رأس المال الأجنبي.

لكن معرفة القصة لا تعني أن شراء أصولها يصبح مربحًا.

المستثمر لا يربح لأن الاقتصاد يتغير، وإنما عندما يكون هذا التغير أسرع مما استوعره السعر، أو عندما تكون توقعات السوق أقل من النتائج التي ستظهر لاحقًا.

وهنا تصبح السعودية حالة مثيرة للاهتمام.

في 2025، أصبح النشاط غير النفطي يمثل نحو 55% من الناتج، ونما بنحو 4.9%. وفي الوقت نفسه، أنهى مؤشر السوق الرئيسية العام عند نحو 10,491 نقطة، منخفضًا 12.8% عن مستواه في نهاية 2024.

هذا التباين لا يعني تلقائيًا أن السوق رخيصة.

لكنه يفتح السؤال الصحيح.

هل أصبحت أسعار الأصول أقل من القيمة التي يصنعها التحول الاقتصادي، أم أن الأسعار هبطت لأنها تعكس بالفعل ضعف الأرباح وارتفاع المخاطر؟

القصة الاقتصادية لا تلغي الدورة
المشكلة في الاستثمار في التحولات الاقتصادية الكبرى أن المستثمر قد يشتري القصة بعد أن أصبحت معروفة للجميع.

برنامج يمتد حتى 2030 يوفر وضوحًا أكبر بشأن اتجاه السياسة الاقتصادية، لكنه لا يلغي دورة السوق.

أسعار النفط تتحرك.

تكلفة التمويل تتغير.

أرباح البنوك تتأثر بالدورة الائتمانية.

الإنفاق الحكومي يتوسع أو ينكمش.

المعروض الجديد يدخل قطاعات مثل العقار والضيافة.

وكل هذه المتغيرات تؤثر في السعر قبل أن تظهر آثارها الكاملة على الاقتصاد الحقيقي.

لذلك فإن امتلاك رؤية واضحة بشأن مستقبل السعودية لا يكفي وحده لاتخاذ قرار استثماري.

السؤال الأصعب هو: كم دفع السوق بالفعل مقابل هذا المستقبل؟

ما الذي تغير فعلًا؟
هناك تحولات يصعب اعتبارها مجرد سردية.

النشاط غير النفطي أصبح يمثل نحو 55% من الاقتصاد، بينما بلغت مساهمة القطاع الخاص نحو 51% من الناتج في 2025.

كما ارتفعت حصة القطاع الخاص من الاستثمار إلى نحو 76%، مقارنة بنحو 60% عند إطلاق البرنامج.

وفي سوق العمل، انخفض معدل بطالة السعوديين إلى نحو 7.2% في الربع الأخير من 2025.

هذه ليست مجرد أهداف بعيدة.

إنها تغيرات حدثت بالفعل في هيكل الاقتصاد.

لكنها لا تكفي وحدها للإجابة عن سؤال السعر.

قد يصبح الاقتصاد أفضل بينما يبقى السهم مكلفًا.

وقد يتراجع السهم بينما تتحسن أساسيات الشركة.

وقد يحدث الاثنان معًا إذا كانت الأرباح تنمو، لكن بتكلفة رأسمال أعلى من المتوقع.

لذلك يجب الفصل بين سؤالين:

هل السعودية تتغير؟

نعم.

والسؤال الثاني:

هل السوق لم يسعّر هذا التغير بعد؟

هنا تبدأ المسألة الاستثمارية الحقيقية.

فتح الباب أمام الأجانب لا يعني أن الأموال ستدخل
إلغاء نظام المستثمر الأجنبي المؤهل في فبراير 2026 يمثل خطوة مهمة في سهولة الوصول إلى السوق السعودية.

فقد أصبح الاستثمار المباشر أكثر بساطة، وتراجعت بعض القيود التي كانت تجعل الدخول أكثر تعقيدًا بالنسبة إلى المستثمر الخارجي.

لكن تحسين الوصول إلى السوق لا يساوي تلقائيًا ارتفاع التدفقات.

المستثمر الأجنبي لا يضع أمواله في السوق لمجرد أن الباب أصبح مفتوحًا.

هو يقارن بين السعر والعائد والمخاطر والبدائل.

إذا وجد أن السهم السعودي لا يقدم علاوة كافية مقابل المخاطر، فإن سهولة الدخول لن تغير قراره.

وهذا يفسر لماذا يجب الفصل بين إصلاح السوق وتقييم السوق.

الأول يجعل الاستثمار ممكنًا وأسهل.

الثاني هو الذي يجعله جذابًا.

الرخص قد يكون وهميًا
انخفاض مؤشر السوق بنحو 13% خلال 2025 يجعل السعودية تبدو أرخص مما كانت عليه في بداية العام.

لكن انخفاض السعر وحده لا يثبت أن الأصل أصبح رخيصًا.

إذا انخفض سهم بنك 20% لأن أرباحه المتوقعة ستنخفض أكثر من ذلك، فالسهم لم يصبح بالضرورة فرصة.

وإذا تراجع سهم في قطاع الطاقة بسبب انخفاض التدفقات النقدية، فإن انخفاض مضاعف الربحية لا يعني أن القيمة الاقتصادية لم تتغير.

وهذا هو الخطر الأكبر في قراءة السوق بعد سنة هبوط.

المستثمر يرى سعرًا أقل، لكنه يحتاج أولًا إلى معرفة ما إذا كان المقام في معادلة التقييم، أي الأرباح والتدفقات النقدية، قد انخفض بوتيرة أكبر.

الرخص الحقيقي لا يعني أن السعر هبط.

يعني أن السعر هبط بأكثر مما هبطت القيمة.

السوق السعودية لديها مشكلة تركّز
هناك سبب آخر يجعل قراءة المؤشر العام أكثر تعقيدًا.

السوق السعودية ليست محفظة متساوية التوزيع على مئات الشركات.

أرامكو والبنوك والشركات الكبرى تملك وزنًا مؤثرًا للغاية في حركة المؤشر.

وبالتالي فإن أداء المؤشر قد لا يعكس بدقة أداء الاقتصاد غير النفطي الأوسع.

يمكن للاقتصاد أن ينمو، بينما يتعرض المؤشر لضغط إذا تراجعت أرباح الشركات ذات الوزن الأكبر.

وهذا يجعل المستثمر أمام فرصة محتملة، لكن ليس بالضرورة على مستوى المؤشر كله.

قد يكون التحول الاقتصادي موزعًا على قطاعات لم تحصل بعد على الوزن نفسه في السوق، بينما يظل المؤشر العام حساسًا لأداء قطاعات ناضجة أكبر حجمًا.

ومن هنا يصبح البحث عن الشركة التي تلتقط التحول أهم من شراء قصة التحول نفسها.

الاستثمار الأجنبي ما زال أمامه طريق طويل
بلغت تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر نحو 35.5 مليار دولار في 2025، أي ما يقارب 2.8% من الناتج.

هذا الرقم مهم لأنه يوضح أن السوق السعودية أصبحت أكثر انفتاحًا، لكنه يوضح أيضًا المسافة بين الواقع والطموح.

الأهداف المستقبلية ترفع سقف الاستثمار الأجنبي السنوي إلى مستويات تقترب من 100 مليار دولار في بعض التصورات المرتبطة بنهاية العقد.

الفارق بين الرقمين ليس مجرد مساحة يمكن ملؤها بالإعلانات.

إنه اختبار لجاذبية الاستثمار نفسه.

إذا بدأ رأس المال الأجنبي في التدفق بصورة مستمرة إلى قطاعات متنوعة، فسيكون ذلك دليلًا أقوى على تغير شهية المستثمر العالمي تجاه السعودية من مجرد تعديل القواعد التنظيمية.

والأهم هو نوعية هذا المال.

التدفقات التي تدخل وتخرج سريعًا تختلف عن الاستثمار الذي يبني مصانع وشركات ومراكز تشغيل ويعيد استثمار الأرباح محليًا.

السوق لا تتحرك ككتلة واحدة
مقارنة السعودية بأسواق الخليج الأخرى تكشف نقطة مهمة.

إذا ارتفع سوق خليجي آخر بينما تراجع السوق السعودية، فلا يعني ذلك أن المستثمرين يفضلون اقتصادًا على آخر بصورة مطلقة.

قد يكون السبب اختلاف تركيبة المؤشرات.

السوق الأكثر تعرضًا للبنوك والطاقة سيتفاعل بطريقة مختلفة عن سوق تهيمن عليه العقارات أو الاتصالات أو الشركات الاستهلاكية.

لذلك فإن مقارنة المؤشرات وحدها قد تكون مضللة.

المقارنة الأفضل تكون بين الأرباح والتقييمات والسيولة والقطاعات.

السؤال ليس لماذا ارتفع مؤشر دولة أخرى بينما تراجع تاسي.

السؤال هو: أي اقتصاد أو قطاع يقدم أرباحًا مستقبلية أعلى مقارنة بالسعر الذي يدفعه المستثمر اليوم؟

الميزانية تظل جزءًا من معادلة السوق
رؤية 2030 لا تعمل في فراغ مالي.

ميزانية 2026 تستهدف إيرادات تبلغ نحو 1.15 تريليون ريال ونفقات تقارب 1.31 تريليون، بعجز متوقع في حدود 165 مليار ريال.

العجز ليس بالضرورة سلبيًا.

إذا كان الإنفاق يمول بنية تحتية أو قدرة إنتاجية أو قطاعًا قادرًا على توليد إيرادات مستقبلية، فقد يكون جزءًا من عملية الاستثمار الاقتصادي.

لكن السوق يهتم بمصدر التمويل وبالعائد النهائي.

ارتفاع تكلفة الاقتراض يرفع الحد الأدنى للعائد الذي يجب أن ينتجه المشروع.

وكلما طال أمد الإنفاق الرأسمالي قبل ظهور الإيرادات، زادت حساسية المستثمر تجاه تكلفة التمويل.

لذلك فإن استمرار الإنفاق الحكومي لا يكفي لدعم السوق.

المهم هو ما إذا كان هذا الإنفاق يتحول إلى أرباح وإنتاج وصادرات وتدفقات نقدية للشركات.

الفندق مثال على خطورة قراءة القصة وحدها
قطاع السياحة يوضح هذه المسألة جيدًا.

ارتفاع أعداد السياح والإنفاق السياحي يخلق فرصة واضحة.

لكن إذا دخلت آلاف الغرف الجديدة إلى السوق في الوقت نفسه، فقد يتحول نمو الطلب إلى منافسة على الأسعار.

السائح موجود.

والإنفاق موجود.

لكن ليس من المؤكد أن هامش الفندق سيرتفع بالقدر نفسه.

وهذا مثال مهم للمستثمر الذي يشتري «قصة» قطاع كامل.

القصة قد تكون صحيحة، لكن الشركة قد لا تحصل على اقتصادها.

الأمر نفسه ينطبق على قطاعات أخرى.

نمو التعدين لا يعني أن كل شركة تعدين ستخلق القيمة نفسها.

زيادة الإنفاق على التقنية لا تعني أن كل مزود تقنيات سيحقق عائدًا مرتفعًا.

توسع الخدمات اللوجستية لا يجعل كل أصل لوجستي استثمارًا جيدًا.

السوق في النهاية يفرز المستفيد الحقيقي من المستفيد النظري.

ماذا لو كان السوق قد سبق الاقتصاد؟
هذه هي الفرضية المضادة التي يجب عدم تجاهلها.

قد يكون الاقتصاد السعودي قد تغير بالفعل، لكن المستثمرين يكونون قد سعّروا معظم هذا التغير قبل أن تظهر نتائجه في البيانات.

في هذه الحالة، انخفاض المؤشر خلال 2025 لا يعني بالضرورة أن السوق أصبحت رخيصة.

ربما كانت التقييمات السابقة مرتفعة أكثر مما ينبغي، وجاء الهبوط لتصحيح جزء من التفاؤل.

وهذا تفسير مختلف تمامًا عن فكرة أن السوق «لم تكتشف» التحول الاقتصادي.

لذلك لا يكفي القول إن المؤشر انخفض.

يجب معرفة مستوى الأرباح والتدفقات النقدية والتقييمات بعد الانخفاض.

متى يصبح التوقيت جذابًا؟
التوقيت يصبح أكثر إثارة للاهتمام إذا اجتمعت ثلاثة عناصر.

الأول أن يستمر الاقتصاد غير النفطي في النمو بمعدل قريب من 5% من دون اعتماد متزايد على الإنفاق الحكومي.

الثاني أن تتحول الإصلاحات التي تجعل السوق أكثر انفتاحًا إلى تدفقات رأسمالية فعلية، وليس فقط إلى قواعد أفضل.

الثالث أن تظل تقييمات الأسهم أقل من المستوى الذي كانت تفترضه السوق عند ذروة التفاؤل، بينما تستمر أرباح الشركات في التحسن.

عندها يبدأ الفرق بين السعر والقيمة في الظهور.

أما إذا كان انخفاض السوق ناتجًا عن تراجع الأرباح المستقبلية، أو ارتفاع تكلفة رأس المال، أو ضعف التدفقات النقدية، فإن انخفاض السعر لن يكون كافيًا لصناعة فرصة.

المؤشر الذي يجب مراقبته ليس المؤشر نفسه
في المرحلة المقبلة، قد يكون من الخطأ التركيز على مستوى تاسي وحده.

الأهم هو مراقبة ربحية الشركات غير النفطية المدرجة، وتدفقات المستثمرين الأجانب، ونسبة ملكيتهم، وأداء البنوك والطاقة مقارنة ببقية القطاعات، وتطور تقييمات الشركات التي تستفيد مباشرة من التحول الاقتصادي.

كما يجب مراقبة الإنفاق الحكومي من زاوية أثره على أرباح الشركات، وليس حجمه فقط.

إذا ارتفع الإنفاق ولم يرتفع معه الإنتاجية أو الأرباح أو الصادرات، فإن أثره على تقييمات السوق سيكون محدودًا.

أما إذا بدأ رأس المال الحكومي يتحول إلى نشاط خاص مربح، واستثمارات أجنبية، وصادرات، وتدفقات نقدية متكررة، فهنا يصبح التحول الاقتصادي أكثر قابلية للترجمة إلى قيمة سوقية.

السعودية الآن؟ ربما، لكن السؤال مختلف
السعودية ليست فرصة لأن «رؤية 2030 ناجحة».

وليست فرصة لأن المؤشر انخفض.

وليست فرصة لمجرد أن السوق أصبحت أكثر انفتاحًا أمام الأجانب.

الفرصة، إذا وجدت، تنشأ من اجتماع ثلاثة أمور: تحسن اقتصادي حقيقي، وسعر لا يعكس هذا التحسن بالكامل، وربحية قادرة على الاستمرار بعد انتهاء موجة الإنفاق الأولية.

هذه معادلة أصعب من سردية «السعودية تتغير».

لكنها أيضًا أكثر فائدة للمستثمر.

فالاقتصاد قد يتحسن من دون أن ترتفع كل الأسهم.

والسوق قد تنخفض من دون أن تصبح كل الشركات رخيصة.

والإصلاح قد يفتح الباب أمام الأجانب من دون أن يجبرهم على الدخول.

لهذا فإن سؤال «لماذا السعودية الآن؟» يجب ألا تكون إجابته «لأن المستقبل أفضل».

المستقبل الأفضل معروف إلى حد كبير.

السؤال الذي يستحق البحث هو: كم من هذا المستقبل دفع المستثمر ثمنه بالفعل؟

إذا كان هبوط السوق خلال 2025 قد خفض السعر بأكثر مما خفض القيمة، فإن التوقيت قد يكون قد أصبح أكثر إثارة للاهتمام.

أما إذا كان السعر قد انخفض لأنه بدأ يعكس أرباحًا أضعف وتكلفة رأسمال أعلى ومنافسة أكبر، فالرخص الظاهري قد يكون مجرد انعكاس للخطر.

التوقيت ليس اختيار بلد. التوقيت هو اكتشاف اللحظة التي تصبح فيها الفجوة بين ما تستحقه الأصول وما يدفعه السوق أكبر من المخاطر التي يتحملها المستثمر.

وهذه الفجوة، لا عنوان رؤية 2030، هي التي تحدد ما إذا كانت السعودية «الآن» مختلفة فعلًا عن السعودية التي كان الجميع يشتري قصتها قبل عام.