الإثنين 5 أكتوبر 2026 08:59 مـ 22 ربيع آخر 1448 هـ
بوابة أنا آدم
المدير العام منى باروما رئيس التحرير محمد الغيطي
×

الاستثمار الأجنبي والسوق السعودية.. هل انتهى سلوك القطيع؟.. سامر شقير يجيب

الإثنين 5 أكتوبر 2026 11:25 صـ 22 ربيع آخر 1448 هـ
سامر شقير
سامر شقير

كان إدراج السوق السعودية في مؤشرات الأسواق الناشئة يُنظر إليه باعتباره خطوة تتجاوز جذب الأموال الأجنبية، الفكرة الأوسع كانت أن دخول مستثمرين مؤسسيين من الخارج، إلى جانب ارتفاع السيولة وتحسن آليات اكتشاف الأسعار، يمكن أن يحد من السلوك الجماعي الذي ارتبط طويلًا بتداول الأفراد.
لكن التجربة تبدو أكثر تعقيدًا، فدخول الأموال الأجنبية لم يُنهِ السلوك القطيعي في السوق، وإن كانت هناك مؤشرات على تراجعه داخل شريحة محددة من الأسهم وتحت ظروف معينة، وهذا يفتح سؤالًا مختلفًا: هل غيّر الإصلاح طبيعة السلوك، أم أنه نقل ظهوره إلى مساحة أخرى؟

الانضمام إلى المؤشرات لم يُنهِ القطيع
تتناول أطروحة العرفج، المقدمة في ريدينغ عام 2025، في فصلها الثالث سلوك المستثمرين حول إدراج السوق الرئيسية السعودية في مؤشرات الأسواق الناشئة العالمية، وهي خطوة ارتبطت بالإصلاحات المالية ضمن رؤية 2030.
وبالاعتماد على ثلاث سلال من الأسهم ونماذج الرصد المستخدمة عادة في قياس القطيع، تشير النتائج إلى استمرار الظاهرة قبل الإدراج وبعده، وبصورة أكثر وضوحًا بين المستثمرين المحليين.
لكن الصورة تتغير عند النظر إلى الأسهم المتاحة للمستثمر الأجنبي المؤهل، وهي في الوقت نفسه متاحة للمستثمر المحلي، في هذه المجموعة، لم يعد السلوك القطيعي ذا دلالة إحصائية بعد الانضمام في الظروف العادية، لكنه ظهر مجددًا عندما دخل السوق في مرحلة هبوط.
هذه النتيجة تضع حدًا لفكرة أن الإصلاح المؤسسي وحده كافٍ لتغيير السلوك، فقد تحسن الانضباط في بيئة التداول الطبيعية داخل السلة التي أصبحت مفتوحة أمام رأس المال الأجنبي، بينما احتفظ الضغط السعري بقدرته على إعادة المستثمرين إلى الحركة الجماعية.
وهنا تتقاطع النتيجة مع ما توصلت إليه دراسة بالسيلار وديميرير وحمودة عام 2013 من زاوية مختلفة: الظروف الضاغطة قد تكون أكثر قدرة على كشف القطيع من طبيعة السوق أو شكلها التنظيمي.

ماذا أضاف المستثمر الأجنبي فعلًا؟
من السهل تفسير انخفاض القطيع داخل الأسهم المؤهلة على أنه انتصار كامل لرأس المال المؤسسي الأجنبي، لكن البيانات لا تسمح بهذا الاستنتاج وحده.
هناك أكثر من تفسير محتمل، ربما وفرت التدفقات الأجنبية طرفًا مقابلًا للصفقات المحلية في الأيام العادية، بما ساعد على توزيع حركة الأسعار بدل تجمعها في اتجاه واحد، وقد يكون السبب أن الأسهم الداخلة في السلة المؤهلة تتمتع بأحجام تداول أكبر وسيولة أعلى، ما يجعل مطاردة حركة سهم بعينه أصعب.
وهناك احتمال ثالث أكثر أهمية: أن يكون السلوك الجماعي قد انتقل ببساطة إلى الأسهم التي لا تقع ضمن نطاق المستثمر الأجنبي المؤهل.
إذا كان هذا التفسير صحيحًا، فإن الإصلاح لم يُلغِ سوء التسعير الناجم عن السلوك الجماعي، وإنما أعاد توزيعه بين أجزاء مختلفة من السوق، لكن هذه الفرضية تحتاج إلى بيانات إضافية لإثباتها، ولا تكفي نتائج الدراسة وحدها لحسمها.
وتبدو الشركات الأصغر والطروحات التي شهدها السوق خلال 2024 مجالًا مناسبًا لاختبار هذه الفكرة، لا باعتبارها نتيجة مثبتة، وإنما باعتبارها مسارًا يمكن أن يكشف ما إذا كان انتقال السلوك من الأسهم الكبيرة إلى الأقل تغطية قد حدث بالفعل.

رؤية 2030 كآلية لتغيير السوق
تظهر رؤية 2030 في هذا السياق باعتبارها إطارًا لإعادة تشكيل آليات السوق، وليس مجرد عنوان للإصلاح.
فتح السوق أمام الملكية الأجنبية يمكن أن يغير علاوة السيولة التي تحصل عليها الأسهم الكبيرة، لأن دخول المستثمر المؤسسي يوسع قاعدة المشاركين ويزيد عمق التداول، لكن ذلك لا يعني أن الفائدة السلوكية تنتقل تلقائيًا إلى كل شركة مدرجة.
السهم الذي لا يستفيد من هذه القاعدة الأوسع من المستثمرين قد يحتفظ بعلاوة سلوكية مختلفة، وربما يحتاج إلى عائد أعلى حتى يعوض المستثمر عن مخاطر السيولة والسلوك الجماعي.
وهذا يفرض تمييزًا مهمًا بين نوعين من الأسهم: شركات كبيرة أصبحت جزءًا من دائرة اهتمام المستثمر المؤسسي العالمي، وأخرى بقيت أكثر اعتمادًا على قاعدة التداول المحلية.
لذلك لا يمكن افتراض أن ارتفاع كفاءة السوق الرئيسية سينتقل تلقائيًا إلى كل مستوياتها، السوق ليست كتلة واحدة، والسيولة لا تتوزع بالتساوي بين مكوناتها.

عندما يعود القطيع في الهبوط
الجزء الأكثر دلالة في النتيجة هو عودة السلوك القطيعي داخل سلة المستثمر الأجنبي المؤهل أثناء فترات الهبوط.
فهنا يتغير معنى التدفقات، المستثمر المؤسسي الذي يتحرك وفق أوزان المؤشرات لا يحتاج إلى متابعة منتدى أو إشاعة كي يتخذ القرار؛ خفض الوزن قد يكون نتيجة لإدارة المخاطر أو إعادة توزيع الأصول أو حركة المؤشر العالمي نفسه.
لكن النتيجة السعرية يمكن أن تبدو شبيهة بالسلوك الجماعي: مجموعة كبيرة من الأسهم تتحرك في اتجاه واحد في الوقت نفسه.
وهكذا يصبح للسلوك القطيعي في السوق السعودية عنوانان، الأول محلي، يظهر بصورة أكبر في الأسهم التي لا تستفيد من قاعدة المستثمر المؤسسي الأجنبي، والثاني مرتبط بالتدفقات العالمية، ويظهر في الأسهم المؤهلة عندما تتحول شهية المخاطر الدولية أو تتسارع عمليات خفض المراكز.
الخلط بين الاثنين قد يقود إلى استنتاج خاطئ بأن دخول المؤسسات الأجنبية أنهى مشكلة القطيع، ما حدث قد يكون أقرب إلى تغيير آلية ظهوره.
الاختبار الحقيقي ليس في أيام الصعود
لتمييز التحسن الحقيقي عن مجرد انتقال الظاهرة، ينبغي النظر إلى سلوك الأسهم في الاتجاهين، لا إلى متوسطات السوق في الظروف الطبيعية فقط.
من المؤشرات المفيدة مقارنة تشتت العوائد بين سلة الأسهم المتاحة للمستثمر الأجنبي وتلك الواقعة خارج نطاقه، مع الفصل بين جلسات الصعود والهبوط، كما يمكن ربط ذلك بصافي تدفقات المستثمر الأجنبي المؤهل، وبحصة الأفراد من دوران التداول في الشركات الصغيرة والمتوسطة.
إذا ظل تشتت العوائد داخل السلة المؤهلة مرتفعًا أثناء الصعود ثم انخفض بوضوح في الهبوط، فإن دخول المستثمر الأجنبي يكون قد نجح في الحد من السلوك الجماعي خلال البيئة التي صُمم الإصلاح لتحسينها، لكنه لا يمنع التزامن عندما تتغير شهية المخاطر.
أما إذا تقلص التشتت خارج السلة أيضًا في الاتجاهين، فسيكون من الصعب القول إن القطيع اختفى، الأرجح أنه وجد مساحة جديدة.
في النهاية، لم يكن الهدف من فتح السوق السعودية أمام المستثمر الأجنبي أن تختفي الحركة الجماعية من شاشة التداول، بل أن تصبح عملية التسعير أكثر عمقًا وكفاءة، والنتائج المتاحة تشير إلى تحسن في جانب من هذه المعادلة، مع بقاء أثر واضح للظروف الضاغطة.
لذلك قد يكون السؤال الأدق ليس: هل انتهى القطيع بعد الانضمام إلى المؤشرات؟ بل: أين يظهر الآن، ومن الذي يحركه، وتحت أي ظروف يعود؟
إذا تغيرت الإجابة عن هذه الأسئلة، يكون الإصلاح قد غيّر سلوك السوق فعلًا، أما إذا تغيرت فقط الأسهم التي يظهر فيها السلوك، فالمشكلة لم تختفِ؛ لقد غيّرت عنوانها.