الأحد 1 نوفمبر 2026 07:36 مـ 20 جمادى أول 1448 هـ
بوابة أنا آدم
المدير العام منى باروما رئيس التحرير محمد الغيطي
×

ما وراء قفزة صادرات ماليزيا؟ سامر شقير يقرأ خريطة الفرص والمخاطر

الأحد 1 نوفمبر 2026 01:25 مـ 20 جمادى أول 1448 هـ
سامر شقير
سامر شقير

تمثل الطفرة الحالية في صادرات ماليزيا المرتبطة بالذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات فرصة اقتصادية مهمة لإعادة تموضع البلاد على خريطة الاقتصادات المتقدمة، بعد سنوات من فقدان الزخم الذي أعقب الأزمة المالية الآسيوية في تسعينيات القرن الماضي، فالقفزة التي سجلتها الصادرات بأكثر من 50% في سبتمبر على أساس سنوي، بعد ارتفاع بنحو 45% في الشهر السابق، بالتزامن مع نمو الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 5.3% في الربع الثالث، تعكس تحولًا يتجاوز مجرد انتعاش تجاري مؤقت، وتفتح الباب أمام مرحلة جديدة من إعادة بناء القاعدة الصناعية والتكنولوجية.
أرى أن ما يحدث في ماليزيا يعكس فرصة ثانية لإعادة صياغة نموذج النمو الاقتصادي، مستفيدة من التحولات العميقة في سلاسل التوريد العالمية، والطلب المتزايد على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات والرقائق الإلكترونية، لكن الاختبار الحقيقي لا يتمثل في حجم الصادرات وحده، بل في قدرة البلاد على تحويل هذه التدفقات إلى قيمة مضافة محلية، وهوامش ربح أعلى، ومهارات تقنية متقدمة.

إعادة توزيع سلاسل التوريد تفتح الباب أمام ماليزيا
أعتقد أن ماليزيا تستفيد من مرحلة إعادة توزيع جغرافية لسلاسل توريد أشباه الموصلات، مع اتجاه الشركات العالمية إلى تنويع مواقع الإنتاج وتقليل الاعتماد على عدد محدود من المراكز الآسيوية، خصوصًا في ظل التوترات الجيوسياسية، وتبرز هنا استراتيجيات «تايوان بلس ون» و«الصين بلس ون»، التي تدفع الشركات إلى البحث عن مواقع بديلة أو مكملة لمراكز التصنيع التقليدية.
وتملك ماليزيا مقومات مهمة للاستفادة من هذا التحول، وفي مقدمتها الخبرة المتراكمة في تصنيع المكونات الإلكترونية والتجميع والاختبار، إلى جانب موقعها الجغرافي وشبكة الموردين والبنية الصناعية القائمة، وتبرز ولاية بينانغ باعتبارها أحد المراكز الرئيسية لصناعة أشباه الموصلات، بينما يعكس مشروع «سيليكون آيلاند» توجه السلطات إلى توسيع الطاقة الاستيعابية لاستقبال استثمارات تكنولوجية وصناعية جديدة.
كما أن خطط الاستثمار المعلنة في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، ومن بينها الاستثمارات المرتبطة بمجموعة سوفت بنك بقيادة ماسايوشي سون، تعزز جاذبية السوق الماليزية، وتؤكد أن المنافسة لم تعد تقتصر على جذب مصانع الرقائق، بل امتدت إلى استضافة مراكز البيانات والبنية الحاسوبية اللازمة لتشغيل تطبيقات الذكاء الاصطناعي.

الانتقال من التصنيع التقليدي إلى القيمة المضافة الأعلى
من وجهة نظري، لا ينبغي للمستثمرين النظر إلى ارتفاع الصادرات الماليزية باعتباره مؤشرًا كافيًا على تحول هيكلي مكتمل، فهناك فارق كبير بين الاستفادة من زيادة الطلب العالمي على المكونات الإلكترونية وبين امتلاك قدرات محلية في تصميم الرقائق والتغليف المتقدم والتقنيات ذات الهوامش المرتفعة.
وأرى أن المرحلة المقبلة ستحدد ما إذا كانت ماليزيا ستظل مركزًا مهمًا لعمليات التجميع والاختبار، أم ستنجح في الصعود إلى مستويات أكثر تقدمًا داخل سلسلة القيمة، وهذا التحول يحتاج إلى استثمارات طويلة الأجل في البحث والتطوير، وتأهيل المهندسين، وبناء شراكات تقنية مع الشركات العالمية، وليس الاكتفاء بتوسيع الطاقة الإنتاجية.
كما أن تعمق الشركات التايوانية المتخصصة في التغليف والاختبار داخل ماليزيا يمثل فرصة لتعزيز التكامل الصناعي بين البلدين، فالتعاون الماليزي التايواني يمكن أن يمنح الشركات مرونة أكبر في توزيع عمليات الإنتاج، وفي الوقت نفسه يتيح لماليزيا اكتساب خبرات وتقنيات تفتح المجال أمام أنشطة أعلى قيمة.

أين تتجه رؤوس الأموال؟
أرى أن الطفرة الحالية تعيد توجيه اهتمام المستثمرين المؤسسيين نحو منظومة أشباه الموصلات في جنوب شرق آسيا، خصوصًا الشركات المرتبطة بإنتاج الذاكرة والدوائر المتكاملة ومعدات الدعم وحلول إدارة الطاقة والتبريد.
وتكتسب هذه المجالات أهمية متزايدة مع ارتفاع كثافة الخوادم المستخدمة في تطبيقات الذكاء الاصطناعي، وما يصاحبها من احتياجات أكبر للطاقة والتبريد والمكونات الإلكترونية المتخصصة، لذلك، لا تقتصر الفرص الاستثمارية على الشركات المنتجة للرقائق، بل تمتد إلى الموردين الذين يوفرون البنية التقنية اللازمة لتشغيل مراكز البيانات.
وأفضل في هذا السياق تخصيص حصة انتقائية من المحافظ الاستثمارية للتكنولوجيا الآسيوية للشركات التي تمتلك تعرضًا مباشرًا لهذه الأنشطة، مع إعطاء الأولوية للكيانات التي تظهر تقدمًا في زيادة المحتوى المحلي أو تطوير قدراتها التصميمية والدخول في شراكات طويلة الأجل.
لكنني أحذر من المبالغة في تسعير النمو الحالي؛ فجزء من القفزة في الصادرات يرتبط بدورة الطلب العالمي على الذاكرة ومكونات مراكز البيانات، ولا يعني بالضرورة أن ماليزيا حققت مكاسب هيكلية مستدامة في حصتها السوقية، ومن المهم التمييز بين نمو الإيرادات الناتج عن توسع السوق وبين تحسن القدرة التنافسية والإنتاجية.

مخاطر دورة الذكاء الاصطناعي ونقص الكفاءات
رغم الفرص الكبيرة، فإن الاعتماد المتزايد على دورة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي يحمل مخاطر لا يمكن تجاهلها، فالتوسع الضخم في الإنفاق الرأسمالي على مراكز البيانات والبنية التحتية الحاسوبية قد يواجه اختبارات صعبة إذا لم تنمُ الإيرادات التجارية بالسرعة الكافية لتبرير حجم الاستثمارات.
وتشير تقديرات إلى أن الإنفاق العالمي على هذه البنية قد يتجاوز 3.5 تريليون دولار، وهو ما يثير تساؤلات بشأن العائد الاقتصادي على الأصول وقدرة الشركات على تحقيق تدفقات نقدية تتناسب مع حجم الإنفاق بحلول عام 2030.
كذلك، يمثل نقص المواهب الهندسية المتخصصة أحد أبرز التحديات أمام ماليزيا، خصوصًا مع المنافسة على الكفاءات بين الأسواق الآسيوية، واحتمالات انتقال المهندسين إلى سنغافورة وأسواق أخرى تقدم فرصًا ورواتب أكثر تنافسية، ومن دون معالجة هذه الفجوة، قد تجد البلاد صعوبة في الانتقال من التصنيع التقليدي إلى الأنشطة التكنولوجية الأعلى قيمة.

فرصة لجنوب شرق آسيا ودروس للاقتصاد السعودي
أعتقد أن التحول الماليزي يحمل دروسًا مهمة للاقتصادات التي تسعى إلى تنويع مصادر النمو والصادرات، وفي مقدمتها الاقتصاد السعودي، فالتجربة توضح أن بناء قاعدة صناعية تكنولوجية لا يعتمد فقط على استقطاب الاستثمارات الأجنبية، بل يتطلب ربط هذه الاستثمارات بتطوير الموردين المحليين، ونقل المعرفة، وتأهيل الكفاءات، وزيادة القيمة المضافة داخل الاقتصاد.
وفي ظل مستهدفات رؤية السعودية 2030 المتعلقة بالاقتصاد الرقمي والتقنيات المتقدمة، يمكن الاستفادة من النموذج الماليزي في بناء شراكات صناعية وتكنولوجية تستهدف مواقع محددة في سلاسل التوريد العالمية، بدلًا من الدخول في منافسة شاملة مع المراكز الصناعية الكبرى.

الاختبار الحقيقي يبدأ بعد طفرة الصادرات
في تقديري، تمتلك ماليزيا فرصة حقيقية للاقتراب من الاقتصادات مرتفعة الدخل، إذا نجحت في استثمار الزخم الحالي لتطوير قدراتها الصناعية والتكنولوجية، لكنني أميل إلى توقع تباطؤ تدريجي في نمو الصادرات الإلكترونية بعد عامي 2026 و2027، مع استمرار استفادة البلاد من موقعها في سلاسل التوريد المتنوعة.
لذلك، أرى أن المستثمر المؤسسي ينبغي أن يتعامل مع ماليزيا باعتبارها فرصة استراتيجية طويلة الأجل، وليس مجرد رهان على دورة صعود الذكاء الاصطناعي، وتتمثل المؤشرات الأكثر أهمية في تطور الإنفاق الرأسمالي للشركات التكنولوجية الكبرى، ومعدلات استغلال الطاقة الإنتاجية في بينانغ، ونمو الاستثمارات في التغليف المتقدم والتصميم، وقدرة البلاد على الاحتفاظ بالمواهب الهندسية.
في النهاية، لا تقاس نجاحات التحول الاقتصادي بعدد المصانع الجديدة أو بقيمة الصادرات وحدها، بل بمدى قدرة الاقتصاد على الاحتفاظ بالقيمة المضافة وتطوير التكنولوجيا وخلق شركات محلية قادرة على المنافسة عالمياً، وهذه هي الفرصة الحقيقية التي تتيحها طفرة الذكاء الاصطناعي لماليزيا: ألا تكون مجرد محطة جديدة في سلاسل التوريد العالمية، بل شريكًا أكثر تأثيرًا في صناعتها وتوجيهها.