الخميس 8 أكتوبر 2026 08:59 مـ 25 ربيع آخر 1448 هـ
بوابة أنا آدم
المدير العام منى باروما رئيس التحرير محمد الغيطي
×

سامر شقير يكتب: الاستحواذ الذي تفشله الثقافة.. لماذا لا تنتقل المواهب مع الميزانية العمومية؟

الخميس 8 أكتوبر 2026 10:37 صـ 25 ربيع آخر 1448 هـ
سامر شقير
سامر شقير

يمكن للشركة أن تشتري مصنعًا وعقودًا وبرمجيات وقاعدة عملاء، لكنها لا تستطيع شراء المعرفة التي يحملها الموظفون أو ضمان بقائهم بعد انتقال الملكية.
لهذا، فإن بعض صفقات الاستحواذ لا تفشل بسبب السعر، ولا بسبب ضعف النشاط المستهدف، وإنما لأن الأصل الأهم لم يدخل الصفقة بالطريقة التي دخلت بها الأصول الأخرى: رأس المال البشري.
عند الإعلان عن أي استحواذ، تذهب الأنظار عادة إلى الإيرادات وهوامش الربح والتكاليف المتوقعة بعد الدمج، لكن هناك قيمة غير ملموسة قد تكون أكثر تأثيرًا من كثير من البنود المحاسبية: طريقة العمل، العلاقات مع العملاء، المعرفة الداخلية، والقدرة على اتخاذ القرار بسرعة.
هذه العناصر لا تظهر دائمًا في الميزانية، لكنها قد تحدد ما إذا كانت الأرقام التي بُني عليها الاستحواذ قابلة للتحقق.

الثقافة ليست بندًا ثانويًّا
في Deals from Hell، يقدم روبرت برونر أمثلة على صفقات بدت جذابة من الناحية الاستراتيجية، لكنها واجهت صعوبات عند الانتقال من منطق الصفقة إلى واقع التنفيذ.
وهنا تظهر نقطة مهمة: نجاح الشركة في إدارة أعمالها لا يعني بالضرورة قدرتها على دمج شركة أخرى.
كل مؤسسة لديها طريقة مختلفة في اتخاذ القرارات، وتوزيع المسؤوليات، وتحفيز الموظفين، وإدارة العملاء، وعندما تفرض الشركة المستحوذة نظامها بسرعة، قد لا تختفي الاختلافات الثقافية فقط؛ قد تتحول إلى تكلفة اقتصادية.
رحيل فريق رئيسي يمكن أن يعني فقدان معرفة متراكمة، وتعطيل تطوير المنتجات، وإضعاف العلاقات التجارية، وارتفاع تكلفة استبدال الكفاءات.

Daimler وChrysler: الحجم لم يكن كافيًا
عندما أُعلن اندماج Daimler-Benz وChrysler في 1998، قُدمت الصفقة باعتبارها فرصة لبناء مجموعة سيارات عالمية تجمع قدرات الشركتين.
لكن عملية الدمج واجهت اختلافات في أساليب الإدارة والمنتجات والتكاليف، إلى جانب ظروف تنافسية وضغوط في سوق السيارات.
وفي 2007، باعت DaimlerChrysler حصة مسيطرة في Chrysler إلى Cerberus Capital Management.
ليس من الدقة اختزال هذه النتيجة في العامل الثقافي وحده؛ فقد لعبت ظروف السوق، وهيكل المنتجات، والمنافسة والقرارات الاستراتيجية أدوارًا مهمة.
لكن التجربة توضح الفرق بين جمع شركتين في كيان قانوني واحد وبين تحقيق التكامل الاقتصادي الذي يفترض أن يصنع قيمة للمساهمين.

Sprint وNextel: التآزر له تكلفة بشرية
في صفقة Sprint وNextel عام 2005، واجهت المجموعة الجديدة تحديات تتعلق باختلاف تقنيات الشبكات، وتنوع قواعد العملاء، وتعقيدات التشغيل.
كانت الفكرة التجارية تعتمد على تحقيق وفورات وتوسيع القدرات، لكن الدمج لم يكن مجرد عملية حسابية لتقليص النفقات.
وهنا يجب أن يتغير سؤال المستثمر.
ليس فقط: كم نستطيع أن نوفر بعد الاستحواذ؟
بل أيضًا: كم قد نخسر أثناء محاولة تحقيق هذه الوفورات؟
إذا أدت إعادة الهيكلة إلى رحيل موظفين رئيسيين أو تراجع جودة الخدمة أو فقدان عملاء، فإن جزءًا من التآزر المتوقع قد يتحول إلى تكلفة غير مباشرة.

الذكاء الاصطناعي يرفع قيمة الفحص
تزداد أهمية هذه المسألة في صفقات التكنولوجيا، خصوصًا مع دخول الذكاء الاصطناعي إلى صلب المنتجات والعمليات.
وتشير تقارير متخصصة في صفقات التكنولوجيا خلال 2026 إلى أن البيانات والملكية الفكرية والبنية التقنية والمواهب أصبحت عناصر أكثر أهمية في تقييم الشركات المستهدفة.
لذلك، لا يكفي عند شراء شركة برمجيات النظر إلى إيرادات الاشتراكات أو معدل النمو.
يجب معرفة من يملك الكود، وكيف تُستخدم البيانات، وما الاعتماد على مزودي الخدمات الخارجيين، وكم من المهندسين الرئيسيين يمكن أن يبقى بعد الإغلاق، ومدى قدرة المنتج على الصمود أمام تقنيات جديدة.
قد تظل الملكية الفكرية مسجلة باسم الشركة، لكن قيمتها الاقتصادية يمكن أن تتراجع إذا غادر الفريق الذي يعرف كيف يطورها ويحافظ عليها.
وهنا تصبح المواهب جزءًا من معادلة التقييم، لا مجرد بند في تكلفة التشغيل.

ماذا يحدث في اليوم المائة؟
التقييم الجيد للاستحواذ لا ينتهي عند توقيع الاتفاقية.
قبل الإغلاق، يجب أن تكون لدى المشتري إجابة عملية عن الأشهر الأولى: من سيقود النشاط؟ كيف ستُحافظ الشركة على الكفاءات الأساسية؟ ما الأنظمة التي يجب دمجها أولًا؟ وما المؤشرات التي ستكشف مبكرًا عن تراجع العملاء أو جودة الخدمة؟
هذه الأسئلة ليست إدارية فقط؛ لها أثر مباشر على التدفقات النقدية.
إذا كان التآزر المتوقع يعتمد على بقاء فريق معين، فإن احتمال رحيله يجب أن يدخل في قيمة الصفقة، وإذا كانت الإيرادات مرتبطة بعلاقات شخصية أو معرفة متخصصة، فإن انتقال الملكية لا يعني انتقال هذه الإيرادات تلقائيًّا.

الأصل الذي لا يظهر في الميزانية
الاستحواذ الناجح لا يعني امتلاك المزيد من الأصول، بل الحفاظ على القدرة التي تجعل تلك الأصول منتجة.
وهذا ما يجعل الثقافة ورأس المال البشري جزءًا من التحليل المالي، لا موضوعًا منفصلًا عنه.
قد تشتري شركة البرمجيات، لكنك لا تشتري تلقائيًّا الفريق الذي بناها، وقد تستحوذ على قاعدة عملاء، لكنك لا تضمن استمرار العلاقة معهم، وقد تحصل على علامة تجارية قوية، لكنك لا تضمن بقاء الأشخاص الذين صنعوا قيمتها.
لذلك، قبل دفع علاوة للاستحواذ، يجب أن يُطرح سؤال أكثر عمقًا من حجم الإيرادات أو وفورات التكلفة:
ما الذي يجعل هذه الإيرادات قابلة للاستمرار بعد انتقال الملكية؟
إذا كانت الإجابة تعتمد على أشخاص يمكن أن يغادروا، فإن تكلفة الاستحواذ الحقيقية لا تظهر كاملة في سعر الصفقة.
فالصفقة لا تنتهي عند توقيع العقد؛ هناك تبدأ عملية اختبار ما إذا كانت القيمة التي اشتراها المستثمر تستطيع البقاء بعد أن تتغير الملكية.