الأحد 8 نوفمبر 2026 03:52 مـ 27 جمادى أول 1448 هـ
بوابة أنا آدم
المدير العام منى باروما رئيس التحرير محمد الغيطي
×

سامر شقير يكتب: من الأسواق التاريخية إلى أصول بمليارات الريالات

الأحد 8 نوفمبر 2026 05:38 صـ 27 جمادى أول 1448 هـ
سامر شقير
سامر شقير

لم تعد قيمة العقارات التجارية تقاس فقط بمساحاتها ومواقعها، بل بقدرتها على إعادة ابتكار النشاط الاقتصادي وصناعة تدفقات نقدية مستدامة، ومن هذا المنطلق، أرى أن فوز مشروع سوق 7 في جدة بجائزة لجنة التحكيم الخاصة ضمن فئة إعادة الإحياء العمراني في جوائز مابيك 2026 يمثل إشارة مهمة للمستثمرين المؤسسيين، ويدفع إلى إعادة النظر في توجيه رأس المال نحو الأصول التي تعيد إحياء المراكز التجارية التاريخية بدلًا من التركيز الحصري على المولات المغلقة والمشروعات الجديدة.
المشروع الذي طورته أزاد العقارية على موقع أسواق الأمير متعب، التي استمرت نحو خمسين عامًا، يمتد على مساحة 720 ألف متر مربع، ويضم 114 مبنى موزعة على سبع مناطق متخصصة ونحو 3500 وحدة تجارية، وافتتح في ديسمبر 2025 باستثمار بلغ 1.5 مليار ريال، وفي تقديري، فإن حصوله على هذا الاعتراف الدولي الأول من نوعه لمشروع سعودي في هذا السياق يعكس قدرة النماذج المفتوحة متعددة الاستخدامات على خلق قيمة اقتصادية مستدامة.
وتأتي هذه الجائزة في توقيت يشهد فيه الاقتصاد السعودي تحولًا في أنماط الاستهلاك والتجزئة، مع تزايد الطلب على التجارب التي تجمع بين الأصالة والكفاءة التشغيلية، ولا يتعلق الأمر بالتكريم المعماري وحده، بل بقدرة النموذج على جذب المستأجرين وتحقيق الإشغال؛ إذ أشار تقرير الشركة إلى تأجير 93% من المساحة التأجيرية عند الافتتاح الكبير، كما يقدر المشروع توفير نحو 24 ألف وظيفة مباشرة وغير مباشرة، بما يربط العائد الاستثماري بالأثر الاقتصادي والاجتماعي.

إعادة الإحياء وصناعة الميزة التنافسية
طرح مايكل بورتر في كتابه The Competitive Advantage of Nations أهمية التجمعات الصناعية والحضرية المتخصصة في بناء الميزة التنافسية، وأرى أن سوق 7 يقدم تطبيقًا عمليًّا لهذه الفكرة في السياق السعودي؛ فهو يحافظ على وظيفة السوق التقليدي باعتباره مركزًا للصفقات والتبادل التجاري، لكنه يعيد تصميمه بمعايير تشغيل حديثة تجمع بين التجزئة والترفيه والضيافة.
هذا النموذج يعزز قدرة جدة على المنافسة كمدينة تجارية، ويتماشى مع مستهدفات رؤية 2030 المتعلقة بتنويع الاقتصاد وزيادة مساهمة القطاع الخاص، كما قد يجذب رؤوس الأموال المؤسسية الباحثة عن أصول ذات تدفقات نقدية مستقرة ترتبط بالنمو السكاني وتحسن جودة الحياة، بدلًا من الاعتماد على دورات المضاربة العقارية.

تحولات سوق العقارات التجارية
يعكس فوز المشروع تحولًا أوسع في سوق العقارات التجارية الخليجي نحو الوجهات المفتوحة متعددة الاستخدامات، التي تستفيد من المناخ وتحد من بعض تكاليف تشغيل المولات المغلقة، وإذا استمر تفضيل المستهلكين للتجارب الاجتماعية والتجارية المتكاملة، فمن المتوقع أن تزداد جاذبية هذه النماذج أمام تجار التجزئة الباحثين عن مواقع ذات حركة مرتفعة وتكاليف إيجار أكثر مرونة.
وأرى أن هذا التوجُّه يمنح قطاع التجزئة السعودي فرصة لمواجهة ضغوط التجارة الإلكترونية، عبر الجمع بين التسوق التقليدي والتجارب التفاعلية التي تشجع الزوار على الإنفاق، ويوضح دانيال كانيمان في كتابه Thinking, Fast and Slow كيف تؤثر الاستجابات السريعة والتجارب الحسية في القرارات؛ وهو ما يجعل التصميم وسهولة التنقل عنصرين مؤثرين في مدة الزيارة ومعدلات الإنفاق.

إعادة توجيه رأس المال والمخاطر
أفضل أن تخصص الصناديق الاستثمارية والمستثمرون المؤسسيون حصة أكبر من محافظهم العقارية لمشروعات إعادة الإحياء العمراني التي تجمع بين التراث والقيمة التشغيلية، فسوق 7، باستثماره البالغ 1.5 مليار ريال وتوفيره 420 ألف متر مربع من المساحات التأجيرية، يوضح إمكانية استثمار مواقع قائمة ذات تاريخ تجاري، بما قد يقلل مخاطر الطلب غير المؤكد مقارنة بالتطوير على أراض خام.
لكن معدلات الإشغال المرتفعة في المراحل الأولى لا تضمن استمرار الأداء؛ إذ قد تتأثر بتراجع الإنفاق الاستهلاكي أو المنافسة من مشروعات مشابهة في الرياض والدمام، كما تشمل المخاطر تكاليف صيانة الوجهات المفتوحة، وتأثير الظروف المناخية في حركة الزوار، والحاجة إلى إدارة مستمرة للتنوع التجاري.
في المقابل، تبرز فرص دمج التجارب التفاعلية والتسويق القائم على البيانات، إلى جانب تنمية أنشطة الضيافة والتجزئة المتخصصة في المناطق السبع، والاستفادة من نمو السياحة الداخلية والخارجية، ويذكرنا مورغان هاوسل في كتابه The Psychology of Money بأن بناء الثروة يتطلب الصبر والنظر إلى الأصول من منظور طويل الأجل؛ وهو ما ينطبق على استثمارات إعادة الإحياء التي ينبغي تقييمها وفق التدفقات النقدية التشغيلية، لا المكاسب الرأسمالية السريعة.

مستقبل الاستثمار العقاري السعودي
يعزز هذا الإنجاز مكانة السعودية في الاقتصاد الخليجي كمركز لتطوير نماذج مبتكرة في العقارات التجارية، وقد يشجع مدنًا أخرى على إعادة إحياء أسواقها التقليدية، كما يتماشى الاستثمار المؤسسي في هذه الأصول مع توجه رأس المال نحو القطاعات غير النفطية، ويدعم خلق فرص عمل وشراكات بين المطورين المحليين والمستثمرين الدوليين.
وخلال السنوات الثلاث إلى الخمس المقبلة، أتوقع أن تتابع الصناديق الاستثمارية أداء هذه المشروعات من خلال معدلات الإشغال والإيرادات التشغيلية، مع احتمال انتقال النموذج إلى مدن أخرى وتكوين مجموعة أصول قابلة للتداول أو الإدراج في صناديق الاستثمار العقاري المتداولة، ومع ذلك، يظل تباطؤ الإنفاق الاستهلاكي أو تصاعد المنافسة الرقمية من أبرز التحديات المحتملة.
في تقديري، فوز سوق 7 يتجاوز حدود جائزة عقارية، ليقدم مؤشرًا على تحول في فلسفة تخصيص رأس المال داخل الاقتصاد السعودي، نحو أصول تعيد تعريف العلاقة بين التراث التجاري والعائد المؤسسي، وأفضل أن يراجع المستثمرون محافظهم العقارية لتقييم فرص زيادة الاستثمار في الوجهات المفتوحة متعددة الاستخدامات، مع الحفاظ على هامش أمان عبر التنويع الجغرافي والقطاعي، وفقًا للمبادئ التي أكدها بنجامين غراهام في كتابه The Intelligent Investor، فالنجاح الحقيقي لهذه المشروعات لن تحسمه الجوائز، بل قدرتها على توليد تدفقات نقدية مستقرة وتحقيق استدامة تشغيلية في اقتصاد يشهد تحولًا هيكليًّا.