سامر شقير يكتب: سيولة النفط تختبر جودة السوق السعودية
ليست كل مؤشرات التباطؤ إنذارا بالخطر، وليست كل قفزات الإيرادات ضمانا لاستمرار النمو؛ فالاختبار الحقيقي للاقتصاد السعودي اليوم هو قدرته على تحويل السيولة النفطية إلى أصول منتجة ومستدامة، هذا ما تكشفه قراءة ثلاثة تطورات متزامنة: تراجع مؤشر بنك الرياض لمديري المشتريات إلى 54 نقطة في أكتوبر، وارتفاع صادرات النفط من السعودية والإمارات والعراق والكويت بنسبة 10% خلال الشهر نفسه، إلى جانب اعتماد هيئة السوق المالية الأحكام التنظيمية المرتبطة بمشروع تحسين ممارسات الطروحات الأولية.
أرى أن هذه التطورات تعكس مرحلة انتقالية دقيقة، يتقاطع فيها دعم الإيرادات النفطية مع استمرار توسع القطاع غير النفطي، بالتوازي مع خطوات تستهدف رفع جودة السوق المالية وجذب رأس المال المؤسسي على المدى الطويل.
تراجع مؤشر مديري المشتريات إلى 54 نقطة يعني اعتدالًا نسبيًّا في وتيرة نمو الأنشطة غير النفطية مقارنة بفترات سابقة، لكنه لا يشير إلى الانكماش، طالما ظل فوق مستوى 50 نقطة، ومن وجهة نظري، ينبغي للمستثمرين التمييز بين التباطؤ الدوري والضعف الهيكلي، مع مراقبة احتمالات ارتباط هذا الاعتدال بضغوط التكاليف أو تراجع زخم الطلب بعد فترات نمو متسارعة.
في المقابل، يمثل ارتفاع صادرات النفط بنسبة 10% مجتمعة من الدول الأربع دعمًا للإيرادات الخارجية والوضع المالي الخليجي، ويمنح الحكومات مساحة أكبر لمواصلة برامج التنويع الاقتصادي دون ضغوط فورية على الميزانيات، كما يمكن أن ينتقل أثر هذه الإيرادات إلى القطاعات غير النفطية عبر الإنفاق الحكومي والاستثمارات المرتبطة بمشروعات رؤية السعودية 2030.
أما اعتماد هيئة السوق المالية الأحكام التنظيمية المرتبطة بتحسين ممارسات الطروحات الأولية، فأعتبره تطورًا مهمًا في بناء سوق أكثر نضجًا، فرفع معايير الشفافية وجودة الطرح والحوكمة يحد من مخاطر سوء التسعير، ويعزز قدرة المستثمرين على تقييم الشركات بعد الإدراج، بما يدعم ثقة الصناديق المؤسسية في السوق السعودية.
وهنا تبرز أهمية مفهوم هامش الأمان الذي طرحه بنجامين غراهام في كتابه The Intelligent Investor؛ فتحسين جودة الطروحات يمنح المستثمرين أدوات أفضل لتقييم المخاطر والقيمة الحقيقية للأصول، خصوصا مع اتساع فرص الاستثمار في الاقتصاد الرقمي والقطاعات الناشئة.
وأرى أن التفاعل بين هذه المؤشرات يفتح أكثر من سيناريو، استمرار الصادرات النفطية عند مستويات قوية، مع بقاء مؤشر مديري المشتريات فوق 50 نقطة، قد يحافظ على توازن يدعم الاستثمار المؤسسي، أما استمرار تراجع المؤشر، فقد يفرض الحاجة إلى دعم إضافي للقطاع الخاص، رغم استمرار المساندة القادمة من الإيرادات النفطية.
وتبرز فرص استثمارية في شركات البنية التحتية والخدمات غير النفطية المستفيدة من الإنفاق الحكومي، مقابل مخاطر محتملة في القطاعات الأكثر حساسية لتباطؤ الطلب الخاص، لذلك، أتوقع أن يعيد المستثمرون المؤسسيون تقييم أوزان محافظهم بين الأصول المرتبطة بالطاقة وأسهم القطاعات غير النفطية، مع زيادة الاهتمام بالاكتتابات ذات الجودة المرتفعة، خصوصًا في مجالات الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي.
وكما يوضح مورغان هاوسل في كتابه The Psychology of Money، تميل الأسواق أحيانًا إلى المبالغة في رد الفعل تجاه المؤشرات الشهرية، بينما لا تمنح التحولات الهيكلية طويلة الأجل ما تستحقه من اهتمام، ومن هنا، فإن كفاءة المستثمر لا تقاس بسرعة الاستجابة للتقلبات، بل بقدرته على قراءة البيانات بهدوء والتركيز على جودة الأصول واستدامة العوائد.
في تقديري، يمتلك الاقتصاد السعودي والخليجي مقومات مواصلة التحول الهيكلي، مدعومًا بالإيرادات النفطية وتحسن البيئة التنظيمية للسوق المالية، وأفضل توجيه رأس المال نحو الشركات التي تجمع بين الاستفادة من الإنفاق المرتبط برؤية 2030 وجودة الحوكمة، مع الاحتفاظ بهامش أمان مناسب لمواجهة أي تباطؤ محتمل في النشاط غير النفطي.













