سامر شقير يكتب: هل تُغيِّر سي ثري قواعد الاستثمار في مصر؟
لم تعد المعركة في الأسواق المالية تدور حول امتلاك الأسهم وانتظار ارتفاع أسعارها، بل أصبحت تدور حول القدرة على التأثير في الشركات وصناعة قيمتها من الداخل، وفي هذا السياق، يمثل تحرك صندوق سي ثري كابيتال 1 لجمع نحو 1.5 مليار جنيه إضافية، لرفع حجم أصوله المحتمل إلى ما بين 3 و3.5 مليار جنيه، تطورًا لافتًا في مسار الاستثمار المؤسسي داخل البورصة المصرية.
أرى أن هذه الخطوة تعكس اتجاهًا نحو بناء نموذج استثماري أكثر عمقًا، يعتمد على الملكية النشطة بدلًا من الاكتفاء بالمضاربة أو الاحتفاظ السلبي بالأسهم، فقد انطلق الصندوق في مارس 2025 بإغلاق أول بلغ 1.8 مليار جنيه، ونجح حتى الآن في ضخ نحو 1.45 مليار جنيه في الأسهم المدرجة، بما يعادل قرابة 80% من حجمه الحالي.
وتكمن أهمية هذه الأرقام في أنها تكشف عن سرعة توظيف رأس المال، بالتزامن مع حاجة السوق المصرية إلى مستثمرين يمتلكون رؤية طويلة الأجل وقدرة على تحسين الحوكمة والأداء التشغيلي للشركات، وليس مجرد توفير سيولة مؤقتة للتداول.
من الاستثمار السلبي إلى التأثير في الشركات
يعتمد صندوق سي ثري على استراتيجية الاستثمار الخاص في الأسهم العامة، التي تستهدف امتلاك حصص مؤثرة في الشركات المدرجة، بما يسمح بالمشاركة في تطوير أعمالها وتحسين قراراتها الاستثمارية.
ومن وجهة نظري، فإن هذا النموذج يعالج إحدى أبرز مشكلات الأسواق الناشئة، وهي اتساع الفجوة أحيانًا بين القيمة السوقية للشركات وأسسها المالية والتشغيلية، ففي السوق المصرية، يمكن للملكية النشطة أن تمنح المستثمر المؤسسي فرصة للمشاركة في مجالس الإدارات والتأثير في تخصيص رأس المال وتحسين كفاءة الإدارة.
ويدار الصندوق من خلال شركة مستقلة تأسست بشراكة بين سي آي كابيتال وكومباس كابيتال، بما يجمع بين الخبرة في الخدمات المالية والأسواق من جهة، وخبرات الاستثمار المباشر وهيكلة الصفقات من جهة أخرى، كما تمتلك كومباس كابيتال حصة في شركة راميدا، وهو نموذج سابق يمكن الاستفادة منه في فهم آليات الملكية النشطة داخل الشركات المدرجة.
فرص النمو وتحديات التوسع
أرى أن السوق المصرية لا تزال توفر فرصًا للمستثمرين القادرين على تحمل أفق زمني طويل، خاصة مع وجود شركات تمتلك تدفقات نقدية وأصولًا تشغيلية قوية، لكنها قد لا تحصل على التقييم الذي يعكس قيمتها الحقيقية.
ورغم أن توظيف الحصيلة الجديدة قد يستغرق نحو 15 شهرًا، وفقًا لمصادر وثيقة الصلة، فإن التحدي الحقيقي لن يكون في جمع الأموال، وإنما في الحفاظ على جودة الاختيار والانضباط الاستثماري مع زيادة حجم الصندوق.
وتشير تحركاته السابقة إلى اهتمام بقطاعات استهلاكية، من بينها قطاع الدواجن، حيث رفع الصندوق حصته في شركة القاهرة للدواجن إلى نحو 3.5%، وأعتقد أن التركيز على الشركات ذات الأسس التشغيلية القوية والتدفقات النقدية المستقرة قد يكون أكثر جدوى من مطاردة القطاعات الدورية أو الفرص قصيرة الأجل.
وتتفق هذه الرؤية مع مفهوم هامش الأمان الذي طرحه بنجامين غراهام في كتابه The Intelligent Investor، حيث لا تقتصر قيمة الاستثمار على شراء الأصول بأقل من قيمتها، بل تمتد إلى فهم العوامل القادرة على تحسين أدائها، كما يبرز ما طرحه مورغان هاوسل في كتابه The Psychology of Money بشأن أهمية الصبر والابتعاد عن ضوضاء الأسواق قصيرة الأجل.
المخاطر والسيناريوهات المستقبلية
في المقابل، لا يخلو هذا النموذج من المخاطر، خصوصًا إذا أدى تضخم حجم الصندوق إلى تخفيف معايير اختيار الشركات أو التوسع في شركات أكبر يصعب التأثير في قراراتها، كما أن التركيز على عدد محدود من الاستثمارات قد يزيد من حساسية المحفظة تجاه أي مشكلات تشغيلية أو تنظيمية تواجه إحدى الشركات.
ويظل من الضروري التمييز بين المستهدفات المعلنة والقرارات النهائية، خصوصا أن تفاصيل زيادة رأس المال لا تزال قيد التفاوض، وفقًا للمعلومات المتاحة.
وفي السيناريو الإيجابي، يمكن أن يسهم التوسع في تحسين الكفاءة التشغيلية والحوكمة داخل الشركات المستهدفة، بما ينعكس على تقييماتها ويحقق قيمة إضافية لجميع المساهمين، أما إذا لم تتحول الملكية النشطة إلى تغييرات ملموسة في الإدارة وتخصيص رأس المال وتوزيعات الأرباح، فقد يظل تأثير الصندوق محدودًا.
رأس المال المؤسسي يعيد رسم المشهد
أرى أن تجربة سي ثري كابيتال تمثل فرصة لتطوير أدوات الاستثمار المؤسسي المحلي، وتقليل الاعتماد على التدفقات الأجنبية المتقلبة وبرامج الطروحات الحكومية وحدها، كما يمكن أن تشجع نجاحات هذا النموذج على إطلاق صناديق مماثلة، وتعزيز عمق البورصة المصرية وقدرتها على جذب رؤوس الأموال طويلة الأجل.
وبالنسبة للمستثمرين في المنطقة، بمَن فيهم مديرو المحافظ في أسواق الخليج، فإن هذا النموذج يستحق الدراسة باعتباره وسيلة للتعرض للشركات المصرية ذات الأسس القوية من خلال الاستثمار النشط.
وفي تقديري، فإن مستقبل هذا التوجه سيعتمد على ثلاثة عوامل رئيسية: الانضباط في اختيار الشركات، والشفافية في الحوكمة والرسوم وآليات الخروج، والقدرة على تحقيق عوائد تتناسب مع المخاطر مقارنة بالاستراتيجيات الاستثمارية السلبية.
فالتحول الحقيقي في البورصة المصرية لن يتحقق بمجرد زيادة الأموال المتداولة، وإنما بظهور مستثمرين قادرين على تحويل رأس المال إلى قيمة اقتصادية وتشغيلية مستدامة.

