الأربعاء 4 نوفمبر 2026 04:12 مـ 23 جمادى أول 1448 هـ
بوابة أنا آدم
المدير العام منى باروما رئيس التحرير محمد الغيطي
×

سامر شقير يكتب: لماذا تحتاج الثروة إلى مساحة للخطأ؟

الأربعاء 4 نوفمبر 2026 02:46 مـ 23 جمادى أول 1448 هـ
رائد الاستثمار-سامر شقير
رائد الاستثمار-سامر شقير

ليس أصعب ما في الاستثمار تحقيق الأرباح، بل الاحتفاظ بها عندما تتغير ظروف السوق، فقد ينجح المستثمر في اقتناص فرصة استثنائية، أو يستفيد من موجة صعود قوية، أو يحقق عائدًا مرتفعًا بفضل توقيت موفق، لكن الاختبار الحقيقي يبدأ عندما تنعكس الاتجاهات وتظهر المخاطر التي لم تكن محسوبة.

هذه هي الفكرة الأساسية التي يطرحها مورغان هاوسل في كتابه «سيكولوجية المال»؛ فالثراء والبقاء ثريًا ليسا الشيء نفسه، الأول قد يتحقق بالذكاء والجرأة وتحمل المخاطر، أما الثاني فيحتاج إلى الانضباط، وإدارة السيولة، والقدرة على تحمل الخسائر، والأهم ترك مساحة للخطأ.

المشكلة أن النجاح في فترات الصعود قد يمنح المستثمر ثقة أكبر من اللازم، فبدلًا من حماية ما حققه، يزيد حجم استثماراته ويرفع مستوى الرافعة المالية، ويتعامل مع الظروف المواتية باعتبارها قاعدة دائمة، وعندما يتغير اتجاه السوق، يكتشف أن الخطر لم يكن في انخفاض الأسعار وحده، بل في أنه لم يترك لنفسه مساحة كافية للبقاء.

السوق السعودية.. درس من دورة الصعود والهبوط

تقدم سوق الأسهم السعودية خلال الفترة من 2003 إلى 2006 مثالًا واضحًا على هذه المعادلة، فقد شهدت السوق موجة صعود قوية، وبلغت مشاركة الأفراد أكثر من 95% من التداول اليومي في بعض الفترات، بالتزامن مع توسع الاقتراض الشخصي واستخدام الأموال المقترضة للاستثمار في الأسهم.

لكن التصحيح اللاحق كشف هشاشة كثير من المراكز الاستثمارية، إذ تراجع المؤشر بنحو 65% من ذروته، ولم تكن الخسارة بالنسبة إلى المستثمرين الذين دخلوا بأموال مقترضة مجرد انخفاض في قيمة الأصول؛ بل تحولت لدى بعضهم إلى أزمة سيولة والتزامات مالية، وأصبح البيع اضطراريًّا في توقيت غير مناسب.

في المقابل، كان المستثمر الذي حدد حجم تعرضه للسوق وفق قدرته على تحمل الخسائر أكثر قدرة على تجاوز التصحيح والعودة إلى الاستثمار لاحقًا، هنا يظهر الفرق بين تحقيق عائد مرتفع في سوق صاعدة، وامتلاك استراتيجية تستطيع الصمود عندما تنقلب الظروف.

الطروحات الأولية.. التغطية المرتفعة لا تضمن العائد

النمط نفسه يظهر في سوق الطروحات العامة، وإن اختلفت أدواته، فقد شهدت السوق السعودية خلال 2025 إقبالًا قويًّا على عدد من الاكتتابات، مع تسجيل تغطيات مرتفعة، لكن تحليلات منشورة في 2026 أشارت إلى أن ست شركات من أصل سبع أنهت عامها الأول دون سعر الطرح، بمتوسط تراجع قُدّر بنحو 27%.

هذه النتائج تطرح سؤالًا مهمًا حول طريقة تقييم الفرص الاستثمارية، فالتغطية المرتفعة لا تعني بالضرورة أن سعر الطرح يعكس القيمة العادلة للشركة، كما أن الإقبال على الاكتتاب لا يمثل ضمانًا لاستمرار الطلب بعد بدء التداول.

المستثمر الذي يكتفي بالنظر إلى حجم التغطية قد يخلط بين ندرة التخصيص وجودة الاستثمار، أما المستثمر الذي يدرس التدفقات النقدية، والتقييم، والقدرة على تحقيق الأرباح، ويختبر أداء السهم في حال تراجع السوق، فإنه يبني قراره على أساس أكثر صلابة.

العقار في دبي.. الرافعة المالية تختبر قدرة المستثمر

وفي سوق العقارات بدبي، يظهر التحدي بصورة مختلفة، خصوصًا في المشروعات التي تُباع على المخطط، فالدفعة الأولى المحدودة قد تمنح المشتري فرصة للاستفادة من ارتفاع الأسعار، لكنها في الوقت نفسه تضاعف حساسية الاستثمار لأي تغير في السوق أو تأخير في التسليم أو تراجع في الإيجارات.

ومع ظهور مؤشرات خلال 2026 على تباطؤ بعض شرائح المبيعات على المخطط وتصحيحات سعرية في أجزاء من السوق، أصبح من الضروري تقييم الالتزامات المستقبلية بدقة، لا الاكتفاء بسعر الشراء الأولي أو الزيادة المتوقعة في قيمة الوحدة.

المستثمر الأكثر انضباطًا هو من يحسب الدفعة النهائية باعتبارها التزامًا ماليًّا قائمًا، ويقارن سعر الوحدة بالمشروعات الجاهزة والعوائد الإيجارية الفعلية، ويضع سيناريو لتأخر التسليم أو انخفاض الإيجار، فالاستثمار العقاري الجيد ليس الذي يبدو مربحًا على الورق فقط، بل الذي يستطيع صاحبه الاحتفاظ به حتى في الظروف الأقل ملاءمة.

ثلاثة اختبارات قبل زيادة حجم الاستثمار

من واقع قراءة دورات الأسواق، أرى أن المستثمر المؤسسي والفردي يحتاجان إلى ثلاثة اختبارات أساسية قبل زيادة حجم أي مركز استثماري.

الأول: هل أستطيع تحمل انخفاض قيمة الاستثمار بنسبة 30% دون أن أُجبر على البيع؟ والثاني: هل تغطي التدفقات النقدية الالتزامات إذا تأخر الإيراد المتوقع لمدة عام؟ والثالث: هل يظل القرار منطقيًّا إذا اكتشفت أن جزءًا من الأرباح السابقة تحقق بفعل توقيت السوق، وليس نتيجة مهارة استثمارية قابلة للتكرار؟

إذا لم يستطع الاستثمار اجتياز هذه الاختبارات، فقد يكون حجم المركز أكبر من قدرة المستثمر على تحمل الخطأ، حتى لو بدت الفرصة جذابة في الوقت الحالي.

الاستدامة أهم من أفضل سنة استثمارية

في أسواق النفط والأسهم والعقارات والطروحات، تظل فرص تحقيق الأرباح متاحة، لكن القدرة على الاحتفاظ بها هي ما يصنع الفارق على المدى الطويل، ولهذا لا ينبغي للمستثمر أن يقيس نجاحه بأفضل سنة حقق فيها عائدًا مرتفعًا، بل بقدرته على تجاوز سنة صعبة دون أن يفقد سيولته أو يضطر إلى تصفية أصوله في توقيت غير مناسب.

وكما يوضح هاوسل في «سيكولوجية المال»، فإن البقاء في السوق يمنح المستثمر فرصة الاستفادة من النمو المركب وتكرار الفرص، لذلك، قد يكون التخلي عن جزء من العائد المحتمل ثمنًا منطقيًّا مقابل حماية القدرة على الاستثمار مستقبلًا.

فالاستثمار الناجح لا يتعلق فقط بكم تستطيع أن تربح، بل بكم تستطيع أن تخسر دون أن تخرج من اللعبة.

موضوعات متعلقة