سامر شقير: الهدايا الدبلوماسية أصبحت أداة للقوة الناعمة وتسويق للصناعات الوطنية
قال رائد الاستثمار سامر شقير إن الهدايا الدبلوماسية لم تعد مجرد بروتوكول يرافق الزيارات الرسمية، وإنما أصبحت أداة استراتيجية تستخدمها الدول لتعزيز القوة الناعمة، والترويج للصناعات الوطنية، وإبراز الهوية الثقافية، إلى جانب توجيه رسائل سياسية واقتصادية تعكس أولوياتها على الساحة الدولية.
وأضاف شقير أن اختيار الهدية الرسمية بات يرتبط بصورة متزايدة بالقطاعات التي ترغب الدول في إبرازها أمام المجتمع الدولي، سواء كانت الصناعات الدفاعية، أو الحرف التراثية، أو التكنولوجيا، أو الفنون، مشيراً إلى أن بعض الهدايا نجحت في إثارة اهتمام عالمي بسبب طبيعتها غير التقليدية أو ما حملته من دلالات سياسية واقتصادية.
المسدس التركي أبرز نماذج توظيف الصناعات الوطنية
وأوضح سامر شقير أن من أبرز الأمثلة الحديثة ما قدمه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لقادة دول حلف شمال الأطلسي خلال قمة الناتو عام 2026، حيث منح كل قائد مسدساً تركياً قديماً من طراز Gümüşay .357 Magnum يحمل اسمه محفوراً عليه، داخل صندوق خشبي مزين بالعلم التركي وشعار الحلف، إلى جانب ست طلقات ذخيرة حية.
وأضاف شقير أن هذه الهدية لم تكن مجرد تذكار بروتوكولي، بل جاءت في إطار الترويج للصناعة الدفاعية التركية وإبراز قدراتها التصنيعية، إلا أنها أثارت في الوقت نفسه تحديات أمنية وجمركية؛ إذ سلم رئيس وزراء بلجيكا الهدية إلى الشرطة فور عودته، بينما فضل بعض القادة تركها لدى السفارات أو الجهات الأمنية، في حين احتفظ بها آخرون كتذكار رسمي.
وأكد أن هذه الواقعة تعكس كيف يمكن لهدية دبلوماسية واحدة أن تتحول إلى أداة تسويقية لصناعة وطنية، وفي الوقت نفسه تثير نقاشاً دولياً حول الجوانب التنظيمية والأمنية.
المناسبات الدينية تعكس الهوية الثقافية للدول
وأشار سامر شقير إلى أن الهدايا المتبادلة خلال المناسبات الدينية، وفي مقدمتها عيد الفطر وعيد الأضحى، تختلف في طبيعتها عن الهدايا السياسية، إذ تركز غالباً على إبراز التراث والثقافة المحلية.
وأضاف شقير أن القادة في دول الخليج والعالم العربي يتبادلون خلال هذه المناسبات هدايا تشمل ساعات فاخرة من علامات عالمية مثل رولكس وبياجيه، وسجاد صلاة فاخر، وتموراً عالية الجودة، ومجوهرات ذهبية، إضافة إلى سيارات فاخرة أو أعمال فنية إسلامية في بعض الزيارات الرسمية.
وأوضح أن بعض الزيارات بين القادة العرب والرئيسين المصري والتركي شهدت تبادل نسخ فاخرة من المصحف الشريف، وتحفاً تقليدية تعكس الهوية الثقافية، فيما تضمنت هدايا قادة إيرانيين في مناسبات مشابهة كتباً دينية، وسجاداً يدوياً، ومنتجات حرفية محلية.
وأكد شقير أن هذا النوع من الهدايا يعكس البعد الحضاري والثقافي للعلاقات الدبلوماسية، ويعزز الروابط بين الشعوب إلى جانب العلاقات الرسمية.
هدايا غير تقليدية صنعت عناوين عالمية
وقال سامر شقير إن التاريخ الدبلوماسي شهد العديد من الهدايا غير التقليدية التي جذبت اهتمام الرأي العام العالمي، موضحاً أن الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما قدم عام 2010 للملكة إليزابيث الثانية جهاز iPod محملاً بموسيقى أمريكية، إضافة إلى نسخة من فيلم "Alice in Wonderland"، في خطوة جمعت بين التكنولوجيا والرمزية الثقافية.
وأضاف شقير أن الصين قدمت نموذجاً مختلفاً من خلال ما يعرف بـ"دبلوماسية الباندا"، حيث أعارت دببة الباندا النادرة إلى عدد من الدول الصديقة، مثل الولايات المتحدة ودول أوروبية، باعتبارها رمزاً للصداقة وتعزيز العلاقات الثنائية.
وأشار إلى أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين اشتهر أيضاً بتقديم هدايا غير تقليدية، من بينها كلاب وساعات فاخرة ولوحات فنية، بينما تبادل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب هدايا شملت نسخاً من كتبه ومنتجات أمريكية، كما تلقى هدايا مثل كرات الغولف وصور شخصية.
وأضاف شقير أن عدداً من القادة في أفريقيا وآسيا قدموا تماثيل خشبية، وأقمشة تقليدية، وحيوانات رمزية مثل الخيول أو الفيلة، فيما فضل قادة أوروبيون، ومن بينهم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، تقديم لوحات فنية أو نبيذ فاخر خلال بعض المناسبات الرسمية، مع مراعاة الخصوصيات الثقافية للدول المستقبلة.
الهدايا الدبلوماسية أصبحت جزءاً من الاقتصاد الثقافي
وأوضح سامر شقير أن الهدايا الرسمية أصبحت تمثل امتداداً للاقتصاد الثقافي، إذ تتيح للدول فرصة الترويج لمنتجاتها الوطنية وصناعاتها الإبداعية أمام كبار صناع القرار في العالم.
وأضاف شقير أن اختيار الهدية لم يعد قراراً بروتوكولياً فقط، بل أصبح جزءاً من استراتيجية أوسع تستهدف دعم صورة الدولة، وتعزيز مكانة منتجاتها، وخلق اهتمام دولي بالقطاعات التي تسعى إلى تطويرها، سواء كانت الصناعات الدفاعية، أو الحرف التقليدية، أو الفنون، أو التكنولوجيا.
وأشار إلى أن بعض الهدايا تتحول لاحقاً إلى أدوات دعائية غير مباشرة، بما يعزز مكانة العلامات الوطنية ويفتح فرصاً اقتصادية جديدة.
قراءة المستثمرين للدبلوماسية الناعمة
وأكد سامر شقير أن المستثمرين المؤسسيين وصناديق الثروة السيادية باتوا ينظرون إلى القوة الناعمة باعتبارها أحد العوامل المؤثرة في تعزيز تنافسية الاقتصادات، موضحاً أن الدول التي تنجح في توظيف رموزها الثقافية وصناعاتها الوطنية ضمن أدواتها الدبلوماسية تمتلك فرصاً أكبر لجذب الاستثمارات وتعزيز حضورها العالمي.
وأضاف شقير أن الصناعات التي تظهر عبر الهدايا الرسمية تكتسب زخماً إعلامياً وتسويقياً قد ينعكس على قدرتها في الوصول إلى أسواق جديدة، سواء في مجالات الصناعات الدفاعية، أو المنتجات التراثية، أو الصناعات الإبداعية.
مستقبل دبلوماسية الهدايا
واختتم سامر شقير حديثه بالتأكيد على أن الهدايا الدبلوماسية ستواصل لعب دور متزايد في العلاقات الدولية، مع اتساع المنافسة بين الدول على إبراز هويتها الاقتصادية والثقافية.
وأضاف شقير أن الهدية الرسمية الناجحة هي تلك التي تجمع بين الرمزية السياسية والقيمة الثقافية والقدرة على الترويج للصناعة الوطنية، بما يحولها من مجرد تذكار بروتوكولي إلى أداة فعالة لتعزيز القوة الناعمة ودعم المصالح الاقتصادية للدولة على المدى الطويل.













