سامر شقير: السفن المظلمة في مضيق تفرض إعادة صياغة استراتيجيات الاستثمار
قال رائد الاستثمار سامر شقير إن استمرار عبور السفن التجارية عبر مضيق هرمز مع إيقاف أنظمة التعريف الآلي (AIS) أسهم في الحفاظ على جزء من تدفقات النفط العالمية رغم تصاعد التوترات الإقليمية، موضحاً أن هذا الواقع حال دون حدوث صدمة كاملة في الأسواق، لكنه في المقابل عزز الحاجة إلى وجود عسكري أمريكي مستمر لتنسيق وتأمين الممرات البحرية.
وأضاف شقير أن هذا التطور انعكس بصورة مباشرة على علاوات المخاطر في أسواق الطاقة والشحن، ودفع تكاليف التأمين والسلع الأساسية إلى الارتفاع، مؤكداً أن المستثمرين المؤسسيين أصبحوا مطالبين بإعادة تقييم تعرض محافظهم للأصول المرتبطة بممرات الشحن الحساسة، مع التركيز على بناء مرونة هيكلية عبر تنويع مصادر الإمداد، وتسريع الاستثمارات في التقنيات اللوجستية المتقدمة والاقتصاد غير النفطي.
السفن المظلمة تغير معادلة أسواق الطاقة
وأوضح سامر شقير أن انتشار ما يُعرف بـ"السفن المظلمة" في مضيق هرمز يمثل تحولاً هيكلياً في العلاقة بين الصراعات الجيوسياسية وأسواق السلع الأساسية العالمية، مشيراً إلى أن الممر لا يزال ينقل نحو 20 مليون برميل يومياً من النفط الخام، إضافة إلى جزء كبير من تجارة الغاز الطبيعي المسال العالمية.
وأضاف شقير أن هذه التكتيكات سمحت باستمرار حركة جزئية للتجارة النفطية، بما يكفي لتجنب حالة الذعر في الأسواق، لكنها أبقت في الوقت نفسه على الاعتماد الكبير على التنسيق والحماية الأمريكية، وهو ما أدى إلى ارتفاع علاوة المخاطر المضمنة في أسعار الطاقة، وجعل افتراض العودة السريعة إلى الاستقرار التقليدي في سلاسل الإمداد أكثر صعوبة.
وأكد أن هذا الواقع فرض على صناديق الثروة السيادية ومديري الأصول إعادة مراجعة افتراضاتهم المتعلقة باستقرار تدفقات الطاقة وتأثيراتها على التضخم والنمو الاقتصادي العالمي خلال السنوات المقبلة.
التوترات البحرية ترفع تكلفة التجارة العالمية
وأشار سامر شقير إلى أن تصاعد الحوادث التي استهدفت السفن التجارية في المنطقة دفع العديد من السفن إلى إيقاف بث إشارات تحديد الهوية الآلي، في استراتيجية هدفت إلى تقليل احتمالات الاستهداف، حتى إن عدد العبورات المظلمة تجاوز في بعض الفترات عدد الرحلات التقليدية.
وأضاف شقير أن هذه العمليات تطلبت جهوداً تشغيلية إضافية من الطواقم البحرية، واعتمدت على تنسيق مستمر مع الجهات البحرية الدولية، لكنها حافظت على استمرار جزء من تجارة النفط رغم العقوبات والضغوط الإقليمية.
وأوضح أن هذا التوازن بين استمرار التجارة وارتفاع المخاطر خلق بيئة استثمارية أكثر تعقيداً، رفعت علاوة المخاطر الجيوسياسية في أسواق الطاقة، وصعبت على المستثمرين تسعير سيناريوهات الاستقرار الكامل.
ارتفاع النفط والتأمين يعزز الضغوط على الأسواق
وقال سامر شقير إن التداعيات الفورية لهذه التطورات ظهرت في ارتفاع أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب إلى مستويات تراوحت بين 2% و6% من قيمة السفينة، وهو ما فرض تكاليف إضافية كبيرة على كل رحلة بحرية، وضغط على هوامش شركات الشحن والمستوردين.
وأضاف شقير أن أسعار خام برنت سجلت ارتفاعاً تجاوز 4% في جلسات حديثة، متخطية مستوى 79 دولاراً للبرميل، مدفوعة بمخاوف اضطرابات الإمدادات رغم عدم حدوث إغلاق كامل للمضيق.
وأشار إلى أن استمرار هذه الأوضاع قد يزيد من تقلبات أسواق المشتقات النفطية، ويؤثر في قرارات الشركات المتعلقة بالإنفاق الرأسمالي على مشاريع الطاقة طويلة الأجل، خاصة تلك المرتبطة بتوسعة القدرات الإنتاجية في المناطق عالية المخاطر.
تداعيات على التضخم والسياسات النقدية
وأوضح سامر شقير أن ارتفاع تكاليف الطاقة الناتج عن هذه المخاطر أسهم في زيادة الضغوط التضخمية عالمياً، خصوصاً في الاقتصادات الآسيوية والأوروبية المستوردة للنفط.
وأضاف شقير أن هذا الواقع قد يدفع البنوك المركزية إلى الإبقاء على سياسات نقدية أكثر تشدداً لفترة أطول، بما يرفع تكلفة الاقتراض ويؤثر على تقييمات الأسهم والسندات.
وأشار إلى أن سلاسل الإمداد العالمية بدأت بالفعل في البحث عن بدائل، من خلال تنويع مصادر التوريد والاعتماد بصورة أكبر على الغاز الطبيعي المسال القادم من الولايات المتحدة أو على الإنتاج المحلي، وهو ما قد يسرع تحولاً هيكلياً في تجارة الطاقة العالمية بعيداً عن الاعتماد المفرط على ممرات الشرق الأوسط.
رؤية 2030 تحول التحديات إلى فرص استثمارية
وأكد سامر شقير أن المملكة العربية السعودية ودول الخليج، التي تمر معظم صادراتها النفطية عبر مضيق هرمز، تواجه تحدياً مزدوجاً يتمثل في الحفاظ على استقرار الإيرادات النفطية على المدى القصير، مع تسريع برامج التنويع الاقتصادي على المدى الطويل.
وأضاف شقير أن رؤية السعودية 2030 وفرت إطاراً استراتيجياً لتحويل هذه التحديات إلى فرص، عبر جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة إلى قطاعات السياحة، والترفيه، والتكنولوجيا، والتصنيع المتقدم، والاقتصاد الرقمي، بما يقلل من حساسية الاقتصاد للصدمات الجيوسياسية المرتبطة بقطاع الطاقة.
وأشار إلى أن أسواق المال الخليجية قد تستفيد كذلك من تنامي الاهتمام بالشركات العاملة في مجالات البنية التحتية الرقمية، والطاقة المتجددة، والخدمات اللوجستية المرنة.
إعادة توزيع رأس المال وإدارة المخاطر
وأوضح سامر شقير أن صناديق الثروة السيادية، وصناديق التقاعد، وصناديق التحوط، وشركات الأسهم الخاصة، أصبحت تواجه ضغوطاً متزايدة لإعادة هيكلة استراتيجيات تخصيص رأس المال.
وأضاف شقير أن ذلك قد يشمل تقليص الانكشاف على شركات الشحن والطاقة المرتبطة مباشرة بمضيق هرمز، مقابل زيادة الاستثمارات في مشاريع الطاقة الواقعة بمناطق أكثر استقراراً، أو في تقنيات الذكاء الاصطناعي والأقمار الصناعية المستخدمة في مراقبة وتأمين طرق التجارة البحرية.
وأكد أن النجاح في هذه البيئة يعتمد على قدرة المستثمرين على التمييز بين المخاطر قصيرة الأجل القابلة للتحوط، والتحولات الهيكلية طويلة الأجل التي تتطلب إعادة بناء المحافظ الاستثمارية، مع التركيز على تطوير سلاسل إمداد رقمية أكثر مرونة وتنويعاً.
نظرة استراتيجية للمستثمرين
واختتم سامر شقير حديثه بالتأكيد على أنه خلال الاثني عشر شهراً المقبلة من المتوقع استمرار التقلبات في أسعار النفط وأقساط التأمين البحري مع تطور الأوضاع الأمنية، وهو ما يستدعي الحفاظ على مستويات مرتفعة من السيولة والمرونة في تخصيص الأصول.
وأضاف شقير أنه على المدى المتوسط، الممتد بين ثلاث وخمس سنوات، من المرجح أن يؤدي هذا الواقع إلى تسريع الاستثمارات في مصادر الطاقة البديلة، والبنية التحتية اللوجستية المتنوعة، وتعزيز استخدام الذكاء الاصطناعي في إدارة سلاسل الإمداد ومراقبة حركة الشحن.
وأشار إلى أنه على المدى الطويل، بين خمس وعشر سنوات، قد يسهم هذا التحول في إعادة رسم خريطة تجارة الطاقة العالمية، مع توجه أكبر نحو الاستقلالية الوطنية والإقليمية في تأمين الإمدادات.
واختتم شقير قائلاً إن المستثمرين ينبغي أن يراقبوا مؤشرات مثل حجم العبورات المظلمة، وتطور أقساط التأمين البحري، والسياسات الأمريكية والإقليمية، باعتبارها إشارات مبكرة تساعد على تعديل الاستراتيجيات الاستثمارية وفق سيناريوهات متعددة، مع التركيز على الفرص التي تعزز المرونة الهيكلية بعيداً عن الاختناقات التقليدية.













