سامر شقير: مصر تتجه نحو أدوات مالية أكثر ابتكارًا لجذب رأس المال طويل الأجل
قال رائد الاستثمار سامر شقير: إن اعتزام مصر إصدار أول صكوك ضريبية في تاريخها خلال العام المالي الحالي، بالتزامن مع دراسة تحويل البورصة المصرية إلى شركة مساهمة تمهيدًا لإمكانية طرح أسهمها للتداول، يمثلان تحولًا في أدوات التمويل وتخصيص رأس المال في السوق المصرية.
وأوضح شقير، أن الخطوتين تأتيان في ظل ضغوط مرتفعة لخدمة الدين، وفي وقت تسعى فيه مصر إلى استعادة زخم سوق المال، معتبرًا أن التطورات لا تقتصر على توفير أدوات تمويل جديدة، بل ترتبط بجهود أوسع لخفض الاحتياجات التمويلية وتعزيز كفاءة سوق رأس المال، بما يضع مصر أمام فرصة لجذب المستثمرين الباحثين عن عوائد مستقرة ونمو هيكلي في الأسواق الناشئة.
الصكوك الضريبية في مواجهة فاتورة الدين
أشار سامر شقير، إلى أن مدفوعات فوائد الدين استحوذت على نحو 71% من إجمالي الإيرادات العامة خلال أول أحد عشر شهرًا من العام المالي 2025-2026، بينما بلغت الفوائد نحو 2.12 تريليون جنيه خلال الفترة نفسها، وهو ما يفرض ضغوطًا على تمويل الإنفاق التنموي ويدفع إلى البحث عن أدوات غير تقليدية.
وقال شقير: إن الرئيس عبد الفتاح السيسي وافق على مقترح إصدار صكوك ضريبية تمولها الشركات والأفراد، بحيث يمكن استخدام قيمة الصك والعائد المستحق عليه لاحقًا في سداد الالتزامات الضريبية المستقبلية، ويتولى البنك المركزي طرحها نيابة عن وزارة المالية، بأجل يصل إلى عام واحد وبعائد يوصف بأنه جيد ومناسب.
وأضاف شقير، أن الآلية تستهدف جمع سيولة مقدمًا من الممولين، بدلًا من الاعتماد الكامل على الاقتراض التقليدي عبر أذون وسندات الخزانة، بما قد يسهم في تقليص الاحتياجات التمويلية الإجمالية.
البورصة المصرية أمام نموذج جديد
في موازاة ذلك، أوضح سامر شقير أن مجلس الوزراء ناقش دراسة تحويل البورصة المصرية إلى شركة مساهمة تمهيدًا لإمكانية طرح أسهمها للتداول للمرة الأولى.
وأشار شقير، إلى أن الخطوة تتزامن مع تحديث البنية التكنولوجية لأنظمة التداول والرقابة، وتطوير آليات الاقتراض بغرض البيع والمشتقات وصناعة السوق، إلى جانب تشجيع صناديق التأمين الخاصة على زيادة استثماراتها في الأسهم والصناديق المقيدة.
ولفت شقير، إلى أن رأس المال السوقي للبورصة تجاوز 4 تريليونات جنيه في مطلع أغسطس 2026، مقابل نحو 3 تريليونات جنيه في نهاية ديسمبر 2025، بزيادة بلغت 33%، معتبرًا أن هذه القفزة تعكس تحسنًا في السيولة وجاذبية الأسهم المحلية، مدعومة ببرنامج الطروحات الحكومية والتسهيلات الضريبية للشركات المقيدة.
تغيير منطق التمويل العام
قال سامر شقير: إن الصكوك الضريبية تعكس انتقالًا من الاعتماد شبه الحصري على أدوات الدين التقليدية إلى تعبئة الموارد الضريبية المستقبلية بصورة منظمة، وهو ما قد يعيد تشكيل الطلب على السندات الحكومية المحلية ويؤثر في منحنى العائد.
وأضاف شقير، أن المستثمرين المؤسسيين سيراقبون مدى جاذبية العائد المعفى من الضرائب مقارنة بأدوات الدين الأخرى، وكذلك قدرة الأداة على جذب السيولة من الشركات الكبرى والأفراد من دون خلق ضغوط لاحقة على الحصيلة الضريبية.
الدرس الخليجي
وأوضح سامر شقير، أن التجارب الخليجية تمثل مرجعًا مهمًا، مشيرًا إلى تحول مجموعة تداول السعودية إلى كيان مدرج، ونجاحها في ترسيخ موقعها كمنصة إقليمية للأسهم والدين والصكوك.
وأضاف شقير، أن السعودية تقود سوق الصكوك السيادية عالميًّا مع استمرار توسع الإصدارات المحلية والدولية ضمن استراتيجية إدارة الدين ورؤية 2030، فيما شهدت أسواق دبي وأبوظبي تحولات نحو هياكل شركات مساهمة عززت الحوكمة والكفاءة التشغيلية.
ورأى شقير، أن تحويل البورصة المصرية إلى شركة مساهمة قد يفتح المجال أمام استثمارات استراتيجية من صناديق سيادية خليجية وشركات إدارة أصول تبحث عن منصات مالية في أسواق ناشئة ذات إمكانات نمو مرتفعة.
أين تتجه الأموال؟
قال سامر شقير: إن الصكوك الضريبية قد تمنح المستثمرين المحليين والدوليين أداة قصيرة الأجل بعائد معفى من الضرائب، بما يساعد على تنويع محافظ الدخل الثابت بعيدًا عن التركيز التقليدي على أذون الخزانة.
أما إدراج البورصة المحتمل، فأوضح شقير أنه يعزز الشفافية والحوكمة ويوفر تقييمًا مستقلًا للكيان المشغل للسوق، على غرار تجربة تداول.
وتوقع أن يركز رأس المال المؤسسي على البنوك المستفيدة من استقرار التمويل الحكومي، وشركات التكنولوجيا المالية والخدمات المالية غير المصرفية، إلى جانب الأسهم متوسطة القيمة السوقية التي قادت جانبًا مهمًا من الصعود الأخير.
المخاطر والآفاق
وحذر سامر شقير، من أن السحب المقدم من الإيرادات الضريبية قد يضغط على الحصيلة المستقبلية إذا لم يترافق مع توسيع القاعدة الضريبية وتحسين الامتثال، كما أن تحويل البورصة يتطلب تعديلات تشريعية على قانون سوق رأس المال، متوقعًا إقرارها قبل نهاية 2026، مع ضرورة ضمان استقلالية الرقابة والحفاظ على الدور السيادي للسوق.
وأكد شقير، أن نجاح الأداتين سيظل مرتبطًا باستقرار سعر الصرف واستمرار التحسن في المؤشرات الكلية، بما يشمل الفائض الأولي والنمو الحقيقي الذي سجل مستويات إيجابية خلال الفترات الأخيرة.
واختتم سامر شقير، بأن مصر تتحرك لمواءمة أدواتها المالية مع المعايير الإقليمية والدولية بهدف جذب رأس المال طويل الأجل، مشيرًا إلى أن الصكوك الجديدة وأسهم البورصة المحتملة قد تصبح عناصر تنويع مهمة لصناديق الاستثمار السيادية ومديري الأصول الخليجيين.
وقال شقير: إن القدرة على تقديم أدوات مبتكرة وشفافة ستكون عاملًا حاسمًا في توجيه التدفقات الاستثمارية خلال السنوات المقبلة، شرط أن يقترن ذلك بتنفيذ منضبط ومراقبة مستمرة للمخاطر المالية الكلية.

