سامر شقير: المرونة الهيكلية ستتفوق على الاحتكار المؤقت في استثمارات أشباه الموصلات
أكد رائد الاستثمار سامر شقير أن التطورات المتسارعة في جهود الصين لتطوير تقنيات الطباعة الحجرية بالأشعة فوق البنفسجية المتطرفة (EUV) تمثل نقطة تحول استراتيجية في صناعة أشباه الموصلات العالمية، مشيراً إلى أن هذه المتغيرات تدفع المستثمرين المؤسسيين إلى إعادة توازن محافظهم الاستثمارية بما يتلاءم مع مشهد عالمي يتجه نحو تعددية الأقطاب في سلاسل التوريد التقنية.
وأوضح سامر شقير أن صناعة أشباه الموصلات تشهد منعطفاً حاسماً مع تسارع الجهود الصينية لتقليص الاعتماد على تقنية الطباعة الحجرية بالأشعة فوق البنفسجية المتطرفة، التي تعد العنصر الأساسي في إنتاج الرقائق المتقدمة المستخدمة في تطبيقات الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات والإلكترونيات عالية الأداء.
وأضاف سامر شقير أن هذا التطور يأتي في سياق القيود الأمريكية المستمرة على تصدير التقنيات المتقدمة منذ عام 2019، وهو ما يعيد تشكيل ديناميكيات المخاطر والفرص أمام المستثمرين المؤسسيين الذين يديرون تعرضاً كبيراً لسلسلة القيمة العالمية لصناعة الرقائق.
وأشار سامر شقير إلى أن أي تقدم ملموس تحققه الصين نحو الاكتفاء الذاتي في تقنيات الطباعة المتقدمة يعني أن صناديق الثروة السيادية ومديري الأصول وصناديق التحوط سيكون عليهم إعادة تقييم نماذج التسعير والتدفقات النقدية المتوقعة للشركات الرائدة، وفي مقدمتها شركة ASML، موضحاً أن الأسواق بدأت بالفعل في تسعير سيناريو التعددية القطبية في سلاسل التوريد التقنية، حيث لم يعد الاحتكار الفعلي لتقنية واحدة يمثل ضماناً طويل الأجل للإيرادات أو الهوامش الربحية.
وأوضح سامر شقير أن شركة ASML الهولندية لا تزال تحتفظ باحتكار فعلي لآلات EUV، حيث تنتج نحو 340 وحدة عاملة حول العالم، ولا توجد أي منها داخل الصين، كما أنها التقنية الوحيدة القادرة حالياً على تصنيع الرقائق عند عقد 7 نانومتر وما دونها بكفاءة إنتاجية مرتفعة. إلا أن القيود الأمريكية، بدعم من هولندا واليابان، منعت تصدير هذه التقنية إلى الصين منذ عام 2019، الأمر الذي دفع بكين إلى اتباع مسارين متوازيين يتمثل الأول في تطوير نموذج أولي محلي لآلة EUV، بينما يعتمد الثاني على ابتكار تقنيات الطباعة المتعددة باستخدام آلات DUV الأقدم للوصول إلى عقد تصنيع تقل عن 7 نانومتر.
وأضاف أن التقارير تشير إلى أن فريقاً يضم مهندسين سابقين في ASML تمكن خلال عام 2025 من تطوير نموذج أولي صيني يخضع حالياً للاختبارات في منشأة آمنة بمدينة شنزن، ورغم أن بدء الإنتاج التجاري المستهدف في عام 2028 لا يزال يعد هدفاً طموحاً وفقاً لتقديرات الخبراء، فإن سرعة التقدم تجاوزت توقعات كثير من المراقبين. وفي الوقت ذاته، نجحت شركات صينية في استخدام تقنية الطباعة المتعددة على آلات DUV لإنتاج رقائق مخصصة للذكاء الاصطناعي، وإن كان ذلك بتكاليف أعلى وكفاءة إنتاجية أقل.
وأكد شقير أن هذه التطورات تعكس تحولاً هيكلياً في السياسة الصناعية العالمية، حيث ينتقل العالم من مرحلة الاحتكار التكنولوجي إلى سباق واسع نحو الاكتفاء الذاتي في قطاع استراتيجي يقدر حجم الإنفاق الرأسمالي فيه بمئات المليارات من الدولارات سنوياً.
وأشار إلى أن مبيعات آلات DUV إلى الصين تمثل نحو ثلث إجمالي إيرادات ASML، وبالتالي فإن أي تشديد إضافي للقيود الأمريكية أو أي نجاح صيني أسرع من المتوقع في تطوير البدائل المحلية قد يضغط على توقعات الإيرادات والتقييمات المستقبلية للشركة.
وفي المقابل، تواجه شركات مثل TSMC وSamsung تحدياً مزدوجاً يتمثل في الحفاظ على تفوقها التكنولوجي مع مراقبة قدرة المنافسين الصينيين على تقليص الفجوة من خلال حلول بديلة.
وأضاف أن شركات تصميم الرقائق مثل NVIDIA تتأثر بصورة غير مباشرة بهذه التطورات، إذ إن أي اضطراب في توافر الرقائق المتقدمة أو ارتفاع تكاليفها ينعكس على دورات تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي وهوامش الربحية. وأوضح أن المستثمرين الذين يعتمدون على مفهوم القيمة المطلقة في تقييم شركات أشباه الموصلات أصبحوا بحاجة إلى نماذج سيناريو متعددة تأخذ في الاعتبار احتمالات الالتفاف التكنولوجي الصيني، وليس فقط استمرار الاحتكار الحالي.
وأكد سامر شقير أن استمرار اعتماد الصين على تقنية الطباعة المتعددة قد يؤدي إلى ارتفاع تكاليف إنتاج الرقائق، وهو ما قد ينعكس على الأسعار العالمية إذا استمرت الفجوة بين العرض والطلب على الرقائق المتقدمة، بما يضيف ضغوطاً تضخمية على قطاع التكنولوجيا، خاصة مع استمرار الإنفاق الرأسمالي الضخم على مراكز البيانات والبنية التحتية الخاصة بالذكاء الاصطناعي.
وأوضح أن جهود إعادة تشكيل سلاسل الإمداد العالمية تتسارع أيضاً من خلال سياسات الصداقة الجغرافية التي تتبناها الولايات المتحدة وأوروبا، والمدعومة بحزم الدعم الحكومي مثل قانون CHIPS الأمريكي، وهو ما يفتح فرصاً جديدة أمام شركات المعدات والمواد الكيميائية المتخصصة في الأسواق الغربية، لكنه يزيد في الوقت نفسه من تعقيد البيئة التشغيلية للشركات الأوروبية واليابانية التي لا تزال تعتمد بدرجة كبيرة على السوق الصينية.
وفيما يتعلق بتخصيص رأس المال المؤسسي، يرى سامر شقير أن صناديق الثروة السيادية وصناديق التقاعد ومكاتب العائلات ستتجه إلى إعادة توزيع استثماراتها تدريجياً نحو ثلاثة محاور رئيسية، تشمل الشركات التي تمتلك قواعد تصنيع متنوعة جغرافياً، والشركات المستفيدة مباشرة من سياسات الدعم الصناعي في الدول الحليفة، إضافة إلى الشركات التي تطور تقنيات بديلة أو مكملة لتقنيات EUV.
وأضاف أن هذا لا يعني التخارج الكامل من الاستثمار في ASML، وإنما تقليل درجة التركيز وبناء أدوات تحوط إضافية من خلال الاستثمار في شركات المعدات الأمريكية أو شركات المواد المتخصصة، بينما من المرجح أن تستفيد صناديق التحوط من التقلبات الناتجة عن أي تطورات تنظيمية أو تقنية جديدة لتحقيق مكاسب قصيرة الأجل مع الحفاظ على استثمارات استراتيجية طويلة الأجل في الشركات التي تمتلك مزايا تنافسية مستدامة.
وفيما يتعلق بالاقتصاد السعودي، أكد شقير أن هذه التطورات تحمل أبعاداً استراتيجية تتجاوز التقلبات السعرية، موضحاً أن رؤية السعودية 2030، التي تضع الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الرقمية في قلب استراتيجية التنويع الاقتصادي، تتطلب ضمان وصول آمن ومستدام إلى الرقائق المتقدمة. وأشار إلى أن أي اضطراب طويل الأمد في سلاسل الإمداد العالمية قد يؤدي إلى ارتفاع تكاليف مشاريع مراكز البيانات والنماذج اللغوية الكبيرة التي تعمل عليها الجهات الحكومية والخاصة في المملكة.
وأضاف أن هذه التحولات تفتح في المقابل آفاقاً لاستثمارات استراتيجية في مجالات المواد الكيميائية المتخصصة والخدمات اللوجستية المتقدمة والشراكات مع شركات عالمية تبحث عن قواعد تصنيع بديلة، مؤكداً أن صناديق الاستثمار السعودية، وفي مقدمتها صندوق الاستثمارات العامة، تمتلك القدرة على الاستفادة من هذا التحول من خلال تخصيص رأس مال طويل الأجل في محافظ عالمية تركز على مرونة سلاسل الإمداد.
وأشار سامر شقير إلى أن المستثمرين سيركزون خلال الاثني عشر شهراً المقبلة على متابعة أداء النموذج الأولي الصيني في شنزن، ومعدلات الإنتاجية التي تحققها المصانع الصينية باستخدام تقنية الطباعة المتعددة، إضافة إلى تطورات التشريعات الأمريكية الجديدة مثل قانون MATCH الذي يستهدف توحيد مواقف الحلفاء تجاه قيود تصدير التقنيات المتقدمة.
وأوضح أنه على مدى ثلاث إلى خمس سنوات من المتوقع أن تصبح سوق الرقائق المتقدمة أكثر تنافسية، مع استمرار تفوق الشركات التايوانية والكورية في الجودة والكفاءة، في مقابل تنامي الحصة الصينية في الرقائق المتوسطة والناضجة. أما على مدى عشر سنوات، فمن المرجح أن يتجه القطاع نحو نظام عالمي متعدد الأقطاب، يصبح فيه الاحتكار التكنولوجي أقل استدامة، بينما تتحول القدرة على إدارة المخاطر الجيوسياسية والتكنولوجية إلى العامل الحاسم في تحقيق الأداء الاستثماري المتفوق.
واختتم سامر شقير تصريحه قائلاً: "المستثمرون الذين سيحققون أداءً متفوقاً خلال العقد المقبل هم أولئك الذين يبنون محافظهم الاستثمارية على أساس المرونة الهيكلية وليس على أساس الاحتكار المؤقت. هذا هو الدرس الأهم الذي تفرضه التطورات الحالية في تقنية الطباعة الحجرية المتقدمة، وهو ما ينبغي أن يكون محور استراتيجيات تخصيص رأس المال المؤسسي خلال السنوات المقبلة."













