سامر شقير: بناء سلاسل قيمة صناعية يجعل قطاع الطيران أبرز محركات النمو غير النفطي في المملكة
أكد رائد الاستثمار سامر شقير أن إعلان شركة بوينج السعودية عن العمل مع صندوق الاستثمارات العامة لتوطين صناعة الطيران عبر أربعة مسارات رئيسية يمثل خطوة استراتيجية تعزز مكانة المملكة كمركز إقليمي للصناعات المتقدمة والخدمات اللوجستية، مشيراً إلى أن هذه الشراكة تعكس نضج نموذج التعاون بين القطاعين العام والخاص وتفتح آفاقاً واسعة أمام المستثمرين المؤسسيين للمشاركة في بناء منظومة صناعية ذات قيمة مضافة عالية.
وأوضح سامر شقير أن إعلان أسعد الجموعي، رئيس بوينج السعودية، بشأن التعاون مع صندوق الاستثمارات العامة لتوطين صناعة الطيران من خلال أربعة مسارات تشمل المواد الخام، والتدريب، وتصنيع القطع، والصيانة، جاء بالتزامن مع توقيع اتفاقية مع مجموعة السعودية لدعم توسع أسطول السعودية للشحن بأربع طائرات بوينج 777F، على أن يبدأ تسليم أولى الطائرات خلال الربع الرابع من عام 2026.
وأشار سامر شقير إلى أن هذه الصفقة ستضاعف أسطول السعودية للشحن إلى ثماني طائرات، بما يعزز قدرتها التشغيلية لخدمة وجهات تمتد عبر أربع قارات، في وقت يشهد فيه قطاع الشحن الجوي نمواً متسارعاً مدفوعاً بازدهار التجارة الإلكترونية، حيث نجحت السعودية للشحن في نقل أكثر من 1.15 مليون طن من الشحنات خلال عامي 2024 و2025 مع الحفاظ على معدلات التزام تشغيلي تجاوزت 90%.
وأكد سامر شقير أن هذا التطور يأتي في توقيت محوري يشهد فيه قطاع الطيران واللوجستيات تحولاً كبيراً، مع تلاقي سياسات التوطين الصناعي مع الطلب المتزايد على خدمات الشحن الجوي، لافتاً إلى أن طائرة بوينج 777F تتمتع بقدرات تشغيلية عالية بفضل مداها الذي يصل إلى نحو 10 آلاف كيلومتر، ما يسمح بتنفيذ رحلات مباشرة لمسافات طويلة ويعزز كفاءة الأساطيل ويزيد من العائد على الاستثمار.
وأضاف سامر شقير أن هذا التحول يعكس إعادة تشكيل سلاسل الإمداد العالمية، حيث تسعى المملكة إلى ترسيخ مكانتها كمركز يربط بين أسواق آسيا وأوروبا وأفريقيا، بما يتماشى مع مستهدفات رؤية المملكة 2030 في تطوير قطاع الخدمات اللوجستية والصناعات المتقدمة.
وقال سامر شقير: "هذه الخطوة تعكس استراتيجية صندوق الاستثمارات العامة في بناء سلاسل قيمة صناعية متكاملة وعالية القيمة المضافة. المستثمرون المؤسسيون يرون في مثل هذه الشراكات فرصة للمشاركة في مشاريع مشتركة أو استثمارات في الشركات المحلية الناشئة المتخصصة في التصنيع والصيانة، مع تقليل المخاطر من خلال الدعم السيادي."
وأوضح أن التعاون بين بوينج وصندوق الاستثمارات العامة يرسل رسالة واضحة إلى المستثمرين بأن المملكة انتقلت إلى مرحلة بناء منظومة صناعية متكاملة لا تقتصر على استيراد المنتجات النهائية، وإنما تشمل تطوير سلسلة القيمة بالكامل بدءاً من المواد الخام ووصولاً إلى خدمات الصيانة والإصلاح والتدريب، الأمر الذي يقلل الاعتماد على الواردات ويؤسس لقدرات تصديرية مستقبلية.
وأشار سامر شقير إلى أن قطاع الطيران التجاري والشحن سيستفيد بصورة مباشرة من هذه الخطوة، حيث توفر طائرات بوينج 777F مزايا تنافسية كبيرة من حيث الحمولة والمدى، في حين يمثل توطين خدمات الصيانة والإصلاح والتجديد فرصة لإنشاء مراكز إقليمية متخصصة تستفيد من الطلب العالمي المتزايد على خدمات الصيانة الفنية للطائرات.
وأضاف أن النمو المستمر للتجارة الإلكترونية جعل الشحن الجوي يتحول من خدمة مساندة إلى أحد المحركات الرئيسية للإيرادات، خاصة مع توسع الصادرات السعودية غير النفطية، وهو ما يعزز جاذبية الاستثمار في الأساطيل المتخصصة والبنية التحتية اللوجستية المرتبطة بالنقل الجوي.
وأكد سامر شقير أن صندوق الاستثمارات العامة يواصل توجيه رأس المال نحو القطاعات الاستراتيجية التي تحقق أثراً اقتصادياً مضاعفاً، وفي مقدمتها الطيران والخدمات اللوجستية، موضحاً أن الاتفاق مع بوينج لا يقتصر على استقطاب استثمارات أجنبية مباشرة، بل يشمل نقل المعرفة والتكنولوجيا وبناء شراكات صناعية محلية طويلة الأجل.
وقال سامر شقير: "رأس المال الاستراتيجي يبحث عن نقاط التقاء بين السياسة الصناعية والطلب السوقي. هنا نرى التقاءً واضحاً: التوطين يخلق فرصاً طويلة الأجل، بينما نمو الشحن الجوي يوفر تدفقات نقدية أسرع. هذا التوازن يجذب المستثمرين الباحثين عن عوائد مستدامة في الاقتصادات النامية."
وأشار إلى أن هذه الخطوة تعزز أيضاً الموقع التنافسي لبوينج كشريك رئيسي لقطاع الطيران السعودي في المجالات التجارية والدفاعية، فيما تفرض في الوقت نفسه ضغوطاً على الشركات المنافسة لتقديم عروض أكثر تنافسية تشمل نقل التقنية والتوطين والدعم التشغيلي.
وأوضح سامر شقير أن توسع المملكة في قطاع الطيران يستند إلى ثلاثة محركات اقتصادية رئيسية تتمثل في النمو المتسارع للتجارة الإلكترونية، والحاجة إلى بناء سلاسل إمداد أكثر مرونة بعد الاضطرابات العالمية، واستراتيجية التنويع الاقتصادي التي تمنح الأولوية لقطاعي اللوجستيات والصناعات المتقدمة، وهو ما يعزز دور الشحن الجوي في دعم الصادرات وربط الاقتصاد السعودي بالأسواق العالمية.
وأضاف أن هذا التعاون يعزز مكانة المملكة على مستوى دول الخليج كمركز صناعي ولوجستي متقدم، كما يبعث برسالة إيجابية للمستثمرين الإقليميين والدوليين حول جدوى الاستثمار في مشاريع التوطين ونقل التكنولوجيا داخل المملكة.
وفي المقابل، أشار سامر شقير إلى أن نجاح هذه المبادرات يتطلب التعامل مع عدد من التحديات، أبرزها نقل التكنولوجيا المتقدمة، وتأهيل الكفاءات الوطنية للعمل وفق أعلى معايير صناعة الطيران العالمية، إضافة إلى احتمالات تأثر الجداول الزمنية بأي اضطرابات في سلاسل الإمداد العالمية أو إنتاج مكونات الطائرات، فضلاً عن أهمية إدارة المخاطر المرتبطة بالاعتماد على شريك رئيسي خلال المراحل الأولى من المشروع.
وقال سامر شقير: "المستثمرون الأذكياء يقيمون ليس فقط حجم الفرصة، بل سرعة وكفاءة التنفيذ. برامج التوطين تحتاج إلى مقاييس واضحة لنقل المعرفة وخلق الوظائف؛ بدونها قد تطول فترة العوائد وترتفع التكاليف."
وأكد أن الفرص الاستثمارية الناتجة عن هذه الشراكة تمتد إلى مشاريع التصنيع المشترك، ومراكز التدريب والمحاكاة، وخدمات الصيانة المتخصصة، والبنية التحتية اللوجستية المرتبطة بالشحن الجوي، إضافة إلى فرص التعاون المستقبلي في الصناعات الدفاعية، وهو ما يمنح هذه الشراكة بعداً استراتيجياً طويل الأجل.
واختتم سامر شقير تصريحاته قائلاً: "الفرصة الحقيقية تكمن في النظر إلى ما بعد الصفقة. المستثمرون الذين يركزون على بناء القدرات المحلية والشراكات طويلة الأمد هم من سيحققون القيمة المستدامة في هذا التحول الاقتصادي."
وأكد أن نجاح تنفيذ هذه المبادرات، بالتزامن مع بدء تسليم الطائرات الجديدة خلال الربع الرابع من عام 2026، سيعتمد على مؤشرات واضحة تشمل نسب التوطين الفعلية، وعدد الوظائف النوعية المستحدثة، وحجم التعاقدات مع الموردين المحليين، وهي عوامل ستحدد قدرة المملكة على التحول إلى مركز إقليمي لصناعة الطيران والخدمات اللوجستية المتقدمة، وترسيخ دور هذا القطاع كمحرك رئيسي للنمو غير النفطي والاندماج في الاقتصاد العالمي.













