الأربعاء 4 نوفمبر 2026 04:10 مـ 23 جمادى أول 1448 هـ
بوابة أنا آدم
المدير العام منى باروما رئيس التحرير محمد الغيطي
×

سامر شقير يكتب: التحدي الجديد للقطاع غير النفطي السعودي

الأربعاء 4 نوفمبر 2026 02:34 مـ 23 جمادى أول 1448 هـ
رائد الاستثمار-سامر شقير
رائد الاستثمار-سامر شقير

لا تقاس قوة التحولات الاقتصادية بقدرة الأسواق على تسجيل معدلات نمو إيجابية فحسب، بل بمدى قدرتها على الحفاظ على هذا النمو عندما تتعرض للضغوط الخارجية وارتفاع تكاليف التشغيل واضطرابات سلاسل الإمداد، ومن هذا المنطلق، أرى أن استمرار توسع القطاع الخاص غير النفطي في السعودية خلال أكتوبر، للشهر السابع على التوالي، يعكس مرونة مهمة في مسار التنويع الاقتصادي، لكنه يطرح في الوقت نفسه سؤالًا أكثر عمقًا حول جودة هذا النمو وقدرته على التحول إلى أرباح وتدفقات نقدية مستدامة.

تشير بيانات مؤشر مديري المشتريات الصادر عن بنك الرياض لشهر أكتوبر إلى استمرار نمو أنشطة القطاع الخاص غير النفطي، رغم تراجع المؤشر مقارنة بمستوياته في سبتمبر، ويعكس بقاؤه فوق مستوى 50 نقطة استمرار التحسن في ظروف التشغيل، في وقت أظهرت فيه الشركات قدرة على تعزيز الإنتاج والاستفادة من الطلب المحلي، رغم تباطؤ نمو الطلبات الجديدة والتوظيف.

أقرأ هذه المؤشرات باعتبارها دليلًا على أن الاقتصاد السعودي أصبح يمتلك قاعدة طلب محلية أكثر قدرة على دعم النشاط الاقتصادي في مواجهة تقلبات الأسواق الخارجية، لكن الصورة ليست إيجابية بالكامل؛ فتراجع طلبات التصدير للشهر الثامن على التوالي، إلى جانب ارتفاع تكاليف مستلزمات الإنتاج، يكشف عن تحديات تتطلب من المستثمرين التمييز بين استمرار التوسع الاقتصادي وجودة العوائد الناتجة عنه.

الطلب المحلي يقود محركات النمو غير النفطي

من وجهة نظري، يعكس أداء أكتوبر تحولًا مهمًا في طبيعة النمو داخل القطاع الخاص السعودي، حيث أصبح الطلب المحلي أحد المحركات الأساسية للنشاط، في مقابل تعرض الطلب الخارجي لضغوط أكبر نتيجة اضطرابات الشحن وارتفاع تكاليف النقل والتأمين.

وقد أظهرت الشركات قدرة على زيادة الإنتاج والاستجابة للطلب الداخلي من خلال تكثيف المبيعات والأنشطة التسويقية، مع تعزيز المشتريات والمخزونات تحسبًا لأي اضطرابات إضافية في سلاسل الإمداد، وأرى أن هذا السلوك يعكس قدرًا من النضج التشغيلي، لأن الشركات لم تعد تعتمد فقط على توافر الإمدادات في الوقت المناسب، بل أصبحت أكثر اهتمامًا بإدارة المخزون وتأمين احتياجاتها الإنتاجية.

ومع ذلك، فإن استمرار النمو المدفوع بالطلب المحلي لا يعني أن الاقتصاد أصبح بمنأى عن الصدمات الخارجية، فتراجع طلبات التصدير للشهر الثامن على التوالي يشير إلى أن الشركات التي تعتمد على الأسواق الدولية تواجه بيئة أكثر صعوبة، خصوصًا مع ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين وتزايد عدم اليقين الجيوسياسي.

وهنا تكمن أهمية التمييز بين تنويع مصادر النمو وتنويع الأسواق؛ فزيادة مساهمة الأنشطة غير النفطية في الاقتصاد تمثل خطوة مهمة، لكن بناء قاعدة إنتاجية قادرة على المنافسة والتصدير يظل ضروريًّا لضمان استدامة هذا التحول.

ضغوط التكاليف تختبر هوامش أرباح الشركات

أحد المؤشرات التي تستحق اهتمام المستثمرين في بيانات أكتوبر يتمثل في ارتفاع تضخم تكاليف مستلزمات الإنتاج إلى أعلى مستوياته منذ يونيو، بالتزامن مع تباطؤ نمو أسعار البيع نتيجة المنافسة بين الشركات.

وأرى أن هذه المعادلة تمثل اختبارًا مباشرًا للقوة التشغيلية للشركات السعودية، فارتفاع تكاليف المواد الخام والنقل والخدمات قد لا يكون مشكلة كبيرة بالنسبة للشركات التي تمتلك قوة تسعيرية أو قدرة على تحسين الإنتاجية، لكنه قد يتحول إلى ضغط ملموس على هوامش الربحية لدى الشركات التي تعمل في أسواق شديدة المنافسة ولا تستطيع تمرير الزيادات إلى المستهلك النهائي.

في هذا السياق، أستحضر ما طرحه مايكل بورتر في كتابه«The Competitive Advantage of Nations»  بشأن أهمية بناء المزايا التنافسية من خلال تطوير القدرات الإنتاجية المحلية ورفع كفاءة سلاسل القيمة، فالتحدي أمام الاقتصاد السعودي لا يقتصر على زيادة حجم النشاط، وإنما يمتد إلى تعزيز قدرة الشركات على إنتاج قيمة مضافة أكبر بتكلفة تنافسية.

ومن هنا، أرى أن الشركات التي تستثمر في الأتمتة والتكنولوجيا وتحسين إدارة المخزون وتنويع مصادر التوريد ستكون أكثر قدرة على حماية هوامشها في المرحلة المقبلة، مقارنة بالشركات التي تعتمد على رفع الأسعار باعتباره الحل الوحيد لمواجهة التضخم التشغيلي.

إعادة تخصيص رأس المال.. أين تكمن الفرص الاستثمارية؟

في تقديري، ستدفع هذه التطورات المستثمرين المؤسسيين إلى إعادة تقييم القطاعات والشركات وفقًا لقدرتها على الاستفادة من الطلب المحلي، وليس وفقًا لمعدلات نمو المبيعات وحدها.

فالقطاعات المرتبطة بالخدمات والتجزئة والبناء والأنشطة التشغيلية المحلية قد تحافظ على جاذبيتها النسبية، خصوصًا لدى الشركات التي تمتلك قاعدة عملاء مستقرة وقدرة على إدارة تكاليفها، وفي المقابل، تحتاج القطاعات الأكثر اعتمادًا على التصدير والشحن الدولي إلى تقييم أكثر حذرًا في ظل استمرار الضغوط على الطلب الخارجي.

لكنني لا أرى أن ارتفاع التعرض للسوق المحلية يمثل ميزة كافية بمفرده؛ إذ يجب النظر أيضًا إلى جودة الإيرادات، ومستويات المديونية، والتدفقات النقدية الحرة، والقدرة على تحويل نمو المبيعات إلى أرباح فعلية.

وهنا تبرز أهمية مفهوم هامش الأمان الذي قدمه بنجامين غراهام في كتابه «The Intelligent Investor»، فالشركات الأكثر جاذبية استثماريًّا ليست بالضرورة تلك التي تسجل أسرع معدلات نمو، وإنما التي تمتلك قدرة مالية وتشغيلية تسمح لها بامتصاص الصدمات دون التضحية باستثماراتها طويلة الأجل.

وأعتقد أن هذا المعيار سيصبح أكثر أهمية في المرحلة المقبلة، خصوصًا مع استمرار ارتفاع تكاليف بعض المدخلات وتزايد المنافسة على المستهلك المحلي.

المخزونات والتوظيف.. إشارات إلى حذر الشركات

تستحق الزيادة في نشاط المشتريات وتراكم المخزونات قراءة تتجاوز كونها مؤشرات على ارتفاع الطلب، فمن وجهة نظري، تعكس هذه التحركات توجهًا لدى الشركات نحو بناء قدر أكبر من المرونة التشغيلية، والاستعداد لاحتمالات تأخر الإمدادات أو ارتفاع تكاليف الحصول عليها.

لكن الاحتفاظ بمخزونات أكبر يحمل في المقابل تكلفة تمويلية، وقد يؤدي إلى تجميد جزء من رأس المال العامل، خصوصًا إذا تباطأ الطلب أو تغيرت أسعار المواد الخام، لذلك ينبغي على المستثمرين متابعة كفاءة إدارة المخزون ومعدلات دورانه، وعدم اعتبار ارتفاعه مؤشرًا إيجابيًّا بصورة تلقائية.

أما تباطؤ وتيرة التوظيف رغم استمرار نموه، فأراه مؤشرًا على توجه الشركات نحو إدارة أكثر انتقائية للموارد البشرية، مع التركيز على الإنتاجية والكفاءة بدلًا من التوسع في أعداد الموظفين فقط، وإذا ارتبط هذا التوجه بالاستثمار في التكنولوجيا وتحسين العمليات، فقد ينعكس إيجابيًا على الهوامش التشغيلية على المدى الطويل.

رؤية 2030 واختبار استدامة النمو غير النفطي

أرى أن استمرار توسع القطاع الخاص غير النفطي يمثل دعمًا مهمًا لمسار رؤية السعودية 2030، لكنه يفرض في الوقت نفسه مرحلة جديدة من التقييم الاستثماري، فالتحدي لم يعد فقط زيادة مساهمة القطاعات غير النفطية، بل ضمان قدرتها على توليد قيمة اقتصادية مستقلة، وتعزيز الإنتاجية، وتوسيع قاعدة الصادرات غير النفطية.

كما أن التوسع في الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي والخدمات التقنية يمكن أن يفتح المجال أمام تحسين كفاءة الشركات، وخفض تكاليف التشغيل، وتطوير نماذج أعمال أكثر قدرة على المنافسة، لكن تحقيق هذه المكاسب يتطلب استثمارات مدروسة في التكنولوجيا والمهارات والبنية التشغيلية.

وبالنسبة لصناديق الاستثمار والمستثمرين المؤسسيين، أعتقد أن الفرصة تكمن في الشركات التي تجمع بين نمو الطلب المحلي والقدرة على تطوير منتجات وخدمات قابلة للتوسع إقليميًّا ودوليًّا، فهذه الشركات لا تستفيد من قوة السوق السعودية فقط، وإنما تمتلك فرصة للتحول إلى محركات نمو تتجاوز حدود الاقتصاد المحلي.

السيناريوهات المقبلة.. النمو مستمر لكن الهوامش تحت الاختبار

إذا استمرت الاتجاهات الحالية، فمن المرجح أن يحافظ القطاع الخاص غير النفطي على معدلات توسع معتدلة مدعومة بالطلب المحلي، مع استمرار الضغوط على الصادرات وتكاليف مستلزمات الإنتاج، وقد يؤدي تحسن الأوضاع الجيوسياسية وتراجع تكاليف النقل والتأمين إلى دعم الطلب الخارجي، بينما قد يؤدي استمرار الضغوط التشغيلية إلى تباطؤ أكبر في التوظيف والاستثمارات الرأسمالية لدى بعض الشركات.

وفي هذا الإطار، أفضل أن يركز المستثمرون على جودة الميزانيات العمومية، والقدرة على حماية هوامش الربح، وكفاءة إدارة رأس المال العامل، إلى جانب متابعة نمو الإيرادات، فهذه المؤشرات تقدم صورة أكثر دقة عن قدرة الشركات على تحويل التوسع الاقتصادي إلى عوائد مستدامة.

في النهاية، أرى أن بيانات أكتوبر تحمل رسالة مزدوجة: الاقتصاد السعودي يثبت قدرته على الحفاظ على نمو القطاع غير النفطي رغم الضغوط الخارجية، لكن المرحلة المقبلة ستختبر قدرة الشركات على حماية ربحيتها وتحويل مرونة الطلب المحلي إلى إنتاجية أعلى وقيمة مضافة مستدامة.

وبالنسبة للجيل الجديد من المستثمرين، فإن الرهان لم يعد على اكتشاف القطاعات الأسرع نموًا فقط، بل على تحديد الشركات الأكثر قدرة على الصمود وتحقيق العوائد في بيئة تتغير فيها تكاليف الإنتاج وسلاسل الإمداد ومصادر الطلب، فنجاح التنويع الاقتصادي لا يقاس باستمرار النمو وحده، وإنما بجودة هذا النمو وقدرته على الاستمرار دون الاعتماد المفرط على محركات مؤقتة.

موضوعات متعلقة