سامر شقير: المرحلة الثالثة من رؤية 2030 تنقل الاقتصاد السعودي إلى عصر العوائد المستدامة
قال رائد الاستثمار سامر شقير: إن دخول رؤية السعودية 2030 عامها العاشر وبدء مرحلتها الثالثة خلال عام 2026 يمثل نقطة تحول استراتيجية في مسار الاقتصاد السعودي، بعدما أصبحت الأنشطة غير النفطية تشكل أكثر من نصف الناتج المحلي الإجمالي، مدعومة بتوسع القطاع الخاص، وانخفاض البطالة بين السعوديين إلى مستويات تقارب 7%، إلى جانب نجاح غالبية مستهدفات الرؤية في الاقتراب من التنفيذ الكامل.
وأوضح شقير، أن التقرير السنوي للرؤية كشف أن نحو 93% من مؤشرات الأداء تحققت أو أصبحت قريبة من مستهدفاتها، بينما ارتفعت أصول صندوق الاستثمارات العامة إلى ما يقارب تريليون دولار، وهو ما يعني أن المستثمرين المؤسسيين وصناديق الثروة السيادية لم يعودوا ينظرون إلى المملكة باعتبارها قصة تنويع اقتصادي فحسب، وإنما باعتبارها سوقًا متكاملًا لتخصيص رؤوس الأموال في قطاعات السياحة والخدمات والتصنيع والطاقة المتجددة والأسواق المالية.
وأضاف شقير، أن المرحلة المقبلة ستفرض معايير أكثر صرامة في اختيار الاستثمارات، بحيث يصبح التركيز موجهًا نحو العائد المستدام على رأس المال بدلًا من التوسع السريع في تنفيذ المشاريع العملاقة.
الاقتصاد السعودي يعيد رسم خريطة الاستثمار المؤسسي
وأشار سامر شقير، إلى أن منتصف عام 2026 شهد تغيرًا واضحًا في طبيعة الأسئلة التي يطرحها مديرو الأصول وصناديق التقاعد العالمية، موضحًا أن النقاش لم يعد يتمحور حول قدرة المملكة على تقليل اعتمادها على النفط، وإنما حول كيفية تسعير الفرص الاستثمارية الناتجة عن هذا التحول داخل محافظ الأسواق الناشئة.
ولفت شقير، إلى أن مساهمة الاقتصاد غير النفطي ارتفعت لتتراوح بين 55% و56% من الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي، مقارنة بنحو 47% عند إطلاق الرؤية في عام 2016، بينما سجلت الأنشطة غير النفطية نموًا يقارب 4.9% خلال عام 2025.
وأضاف شقير، أن هذا التحول الهيكلي، المدعوم بإصلاحات سوق العمل وارتفاع مشاركة المرأة في القوى العاملة إلى نحو 35%، أعاد توجيه تدفقات الاستثمار نحو الاقتصاد السعودي، ورسخ مكانة الرياض كمركز متنامٍ لاستقطاب رؤوس الأموال.
المالية العامة أصبحت أكثر قدرة على امتصاص الصدمات
وأوضح سامر شقير، أن الاقتصاد السعودي سجل نموًا حقيقيًّا بلغ نحو 4.5% خلال عام 2025، مدعومًا بالتعافي الجزئي لإنتاج النفط بعد تخفيضات تحالف أوبك+، إلى جانب استمرار قوة الطلب المحلي.
وأضاف شقير، أن الإيرادات غير النفطية شهدت نموًا ملحوظًا خلال العقد الماضي، وهو ما عزز مرونة المالية العامة رغم استمرار تقلبات أسعار النفط، مشيرًا إلى أن الصراع الإقليمي خلال الأشهر الأولى من عام 2026 دفع المؤسسات الدولية، وعلى رأسها صندوق النقد الدولي، إلى خفض توقعات النمو لهذا العام إلى مستويات تقارب 2% أو أقل، مع توقعات بعودة الاقتصاد إلى وتيرة نمو أقوى خلال عام 2027.
وأكد شقير، أن هذه التطورات مثلت اختبارًا حقيقيًا لصلابة الإصلاحات الاقتصادية، وأبرزت أهمية مواصلة تنفيذ برامج رؤية 2030 لتعزيز قدرة الاقتصاد على مواجهة الصدمات الخارجية.
صندوق الاستثمارات العامة ينتقل إلى مرحلة جديدة
وقال سامر شقير: إن صندوق الاستثمارات العامة يعكس بوضوح تطور النموذج الاستثماري السعودي، بعدما ارتفعت أصوله من نحو 150 مليار دولار في منتصف العقد الماضي إلى ما يقارب 941 مليار دولار بنهاية عام 2025.
وأضاف شقير، أن الاستراتيجية الجديدة للصندوق للفترة 2026-2030 أظهرت تحولًا واضحًا من قيادة المشاريع بصورة مباشرة إلى تعزيز الشراكة مع القطاع الخاص وحشد رؤوس الأموال الخاصة، بما ينسجم مع احتياجات المملكة التمويلية التي تقدر بمليارات الريالات في مشاريع البنية التحتية والطاقة والخدمات، مؤكدًا أن هذا التحول يعكس انتقال الصندوق من دور المستثمر الرئيسي إلى دور المحفز للاستثمار الخاص.
سوق العمل أصبح أحد أهم محركات النمو
وأشار سامر شقير، إلى أن سوق العمل السعودي حقق خلال السنوات الماضية تطورات نوعية، إذ انخفض معدل البطالة بين السعوديين من أكثر من 12% عام 2016 إلى نحو 7.2%، محققًا المستهدف قبل موعده بست سنوات.
وأضاف شقير، أن عدد السعوديين العاملين في القطاع الخاص بلغ نحو 2.6 مليون موظف، بينما تجاوزت المنشآت الصغيرة والمتوسطة مستهدفاتها في التوظيف، موضحًا أن مشاركة المرأة في سوق العمل تضاعفت تقريبًا، فيما ارتفعت نسبة النساء في المناصب الإدارية الوسطى والعليا إلى أكثر من 43%.
وقال شقير: إن هذه المتغيرات لم تكن ذات أبعاد اجتماعية فقط، وإنما رفعت الإنتاجية وعززت الاستهلاك المحلي، بما يدعم استمرار النمو غير النفطي عند مستويات تتراوح بين 4.5% و5.5% خلال العقد المقبل وفق تقديرات وكالات التصنيف.
واستدرك بأن بعض المؤشرات الحديثة أظهرت تباطؤًا نسبيًا في مكاسب سوق العمل، وهو ما يستوجب تسريع مواءمة مخرجات التعليم مع احتياجات الاقتصاد، إلى جانب توسيع مساهمة الشركات الصغيرة والمتوسطة في سلاسل القيمة.
المستثمرون يعيدون تسعير الاقتصاد السعودي
وأوضح سامر شقير، أن المستثمرين المؤسسيين باتوا ينظرون إلى المملكة باعتبارها قصة تنويع اقتصادي داخل الأسواق الناشئة أكثر من كونها اقتصادًا يعتمد على النفط.
وأشار شقير، إلى أن سوق "تداول" أصبحت أكثر عمقًا وانفتاحًا أمام المستثمرين الأجانب، بينما شهد قطاع إدارة الأصول نموًا مضاعفًا منذ عام 2016، مضيفًا أن تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر سجلت مستويات قياسية خلال عام 2025، رغم أن نسبتها إلى الناتج المحلي الإجمالي لا تزال أقل من المستهدفات بعيدة المدى.
وأكد شقير، أن الفرص الاستثمارية تتركز حاليًا في قطاعات السياحة والطاقة المتجددة والتصنيع المتقدم والخدمات المالية والذكاء الاصطناعي، قائلًا: إن المرحلة الثالثة من رؤية 2030 فرضت على المستثمرين المؤسسيين إعادة تسعير العلاقة بين المخاطر والعوائد، موضحًا أن الرهان لم يعد قائمًا على ضخامة المشاريع، وإنما على جودة الحوكمة والعائد على رأس المال المستثمر وقدرة الأصول على توليد تدفقات نقدية مستقلة عن الدورة النفطية.
وأضاف شقير، أن تخصيص رأس المال ينبغي أن يوجه نحو القطاعات التي أثبتت قدرتها على خلق وظائف مستدامة وجذب شركاء دوليين، وعلى رأسها الخدمات اللوجستية والسياحة والترفيه، مع استمرار مراقبة مخاطر التنفيذ في بعض المشاريع العملاقة التي خضعت لإعادة جدولة.
قطاعات النمو تواصل تعزيز تنافسية المملكة
وأشار سامر شقير، إلى أن قطاع السياحة نجح في رفع مساهمته الاقتصادية عبر منظومة ترفيهية جديدة، مدعومة باستضافة فعاليات عالمية مرتقبة مثل إكسبو 2030 وكأس العالم 2034.
وأضاف شقير، أن قطاع الطاقة شهد توسعًا كبيرًا في الطاقة المتجددة مقارنة بمستوياتها السابقة، رغم أن السعة التشغيلية لا تزال أقل من المستهدف الأولي البالغ 130 غيغاواط.
وأوضح شقير، أن قطاعي التصنيع والتعدين يحظيان بدعم متزايد ضمن الاستراتيجية الوطنية للاستثمار، بينما يواصل القطاع المالي تطوير أسواق الصكوك والتمويل الخاص بدعم من شراكات صندوق الاستثمارات العامة مع أكبر مديري الأصول العالميين.
وأكد شقير، أن بعض التحديات لا تزال قائمة، وفي مقدمتها إعادة ترتيب أولويات عدد من المشاريع الكبرى مثل نيوم، إلى جانب الحاجة إلى تسريع نمو الصادرات غير النفطية، واستمرار ارتفاع الاعتماد النسبي على الإنفاق الحكومي والاستثمار السيادي، وهو ما يجعل حشد رؤوس الأموال الخاصة محورًا أساسيًا للمرحلة المقبلة.
المخاطر والفرص أمام رأس المال المؤسسي
وقال سامر شقير: إن أبرز المخاطر التي يواجهها المستثمرون تتمثل في استمرار التوترات الجيوسياسية وما تفرضه من ضغوط على ثقة المستثمرين وتكاليف النقل والشحن، إضافة إلى تقلبات أسعار النفط وتأثيرها في المالية العامة، فضلًا عن تحديات تنفيذ بعض المشاريع الكبرى.
وأضاف شقير، أن الفرص لا تزال أكبر، مستندة إلى تطور الأسواق المالية السعودية، والتحسن المستمر في بيئة الأعمال، والتوسع في التحول الرقمي، والاستثمار المكثف في رأس المال البشري الذي انعكس على تحسن مؤشر التنمية البشرية.
وأكد شقير، أن المستثمر طويل الأجل أصبح ينظر إلى المملكة باعتبارها اقتصادًا يبني طبقات إنتاجية جديدة تتجاوز النفط، مشيرًا إلى أن التحدي الحقيقي يتمثل في تحويل هذا الزخم إلى نمو إنتاجي مستدام يقلل تدريجيًّا من الاعتماد على الإنفاق الحكومي.
وأوضح شقير، أن الحوكمة والشفافية في تخصيص رأس المال ستبقيان العامل الأكثر تأثيرًا في جذب تدفقات أكبر من الصناديق العالمية خلال السنوات الأربع المتبقية حتى عام 2030.
نظرة مستقبلية
واختتم سامر شقير بالإشارة إلى أن الاقتصاد السعودي يدخل المرحلة الأخيرة من رؤية 2030 بعدما انتقل التركيز من بناء المؤسسات إلى تعظيم العوائد الاقتصادية وتعزيز المرونة.
وأوضح شقير، أن النمو غير النفطي مرشح لمواصلة قيادة الاقتصاد إذا استمرت الإصلاحات بالوتيرة الحالية، مدعومًا بأجندة الاستدامة التي تربط بين التنويع الاقتصادي والطاقة النظيفة وكفاءة استخدام الموارد.
وأضاف شقير، أن الفترة الممتدة بين 2026 و2030 تمثل فرصة استراتيجية أمام المستثمرين المؤسسيين لإعادة موازنة محافظهم الاستثمارية نحو الأصول السعودية الأكثر ارتباطًا بالطلب المحلي وقطاعات الخدمات والتكنولوجيا، مع التركيز على اختيار الشركاء والمشاريع التي تتمتع بانضباط مالي وحوكمة قوية.
واختتم شقير قائلًا: إن تخصيص رأس المال بصورة انتقائية، إلى جانب الحوكمة الرشيدة، سيشكلان العامل الحاسم في تعظيم العوائد من التحول الهيكلي الذي أصبح اليوم واقعًا راسخًا داخل الاقتصاد السعودي.













