سامر شقير: توجُّه تيذر نحو الذهب يعكس تحولًا هيكليًّا في تخصيص رأس المال
قال رائد الاستثمار سامر شقير: إن توجُّه شركة تيذر نحو زيادة حيازاتها من الذهب خلال الربع الثاني من عام 2026 يمثل مؤشرًا مهمًا على تحول هيكلي في استراتيجيات تخصيص رأس المال والاحتياطيات لدى الكيانات المالية الرقمية الكبرى، مشيرًا إلى أن دخول رأس المال الخاص الرقمي بهذا الحجم إلى سوق الذهب يعيد تشكيل طبيعة الطلب على المعدن النفيس، ويعكس إعادة تقييم لمخاطر الأصول الورقية في ظل تصاعد المخاطر الجيوسياسية والمالية.
وأوضح سامر شقير، أن شركة تيذر، المصدرة لأكبر عملة مستقرة مرتبطة بالدولار في العالم USDT، اشترت 14 طنًا من الذهب المادي خلال الربع الثاني من عام 2026، لترتفع احتياطياتها الإجمالية إلى أكثر من 146 طنًا، بقيمة تقارب 18.8 مليار دولار بنهاية يونيو.
وأشار سامر شقير، إلى أن هذه الخطوة جاءت في وقت شهد فيه سعر الذهب انخفاضًا حادًا بلغ نحو 14 إلى 15 بالمئة خلال الربع، وسط ضغوط تضخمية ناجمة عن الصراع في الشرق الأوسط وارتفاع عوائد السندات، موضحًا أن تيذر أصبحت بذلك أكبر مالك معروف للذهب خارج نطاق البنوك المركزية والدول.
وقال سامر شقير: إن هذه التطورات تمثل إشارة واضحة إلى دخول رأس المال الخاص الرقمي كقوة هيكلية جديدة في سوق المعادن الثمينة، مضيفًا أن هذا التحول من منظور الاستثمار المؤسسي يعكس إعادة تقييم لمخاطر الأصول الورقية في بيئة جيوسياسية متقلبة، كما يطرح تساؤلات مهمة حول اتجاهات تدفقات رأس المال المستقبلية نحو الأصول الصلبة.
وأضاف سامر شقير، أن مشتريات تيذر تبرز أهمية التحول الجاري في استراتيجيات الاحتياطيات لدى كيانات القطاع الخاص التي بات حجمها المالي يقترب من مستويات ذات طابع سيادي، مشيرًا إلى أن استمرار إصدار USDT عند مستويات تتجاوز 184 مليار دولار، بالتزامن مع تسجيل أرباح تشغيلية صافية بلغت 1.5 مليار دولار في الربع ذاته، يؤكد قدرة تيذر على توليد عوائد من محفظة سندات الخزانة الأمريكية، مع تحويل جزء من الفائض إلى ذهب مادي.
وقال سامر شقير: "هذه القرارات تمثل إعادة تخصيص رأس مال واعية نحو أصول لا يمكن تجميدها أو فرض عقوبات مباشرة عليها بسهولة، في عالم تتزايد فيه مخاطر التفتت الجيوسياسي".
السياق الاقتصادي والجيوسياسي
وأوضح سامر شقير، أن حرب إيران التي اندلعت في أواخر فبراير 2026 أدت سريعًا إلى ارتفاع أسعار الطاقة وزيادة التوقعات التضخمية، إلا أن الذهب شهد خلال هذه الفترة مسارًا مختلفًا عن النمط التاريخي المعتاد الذي يدفع المعدن النفيس إلى الصعود باعتباره ملاذًا آمنًا خلال الأزمات.
وأشار شقير، إلى أن ارتفاع عوائد السندات الأمريكية وقوة الدولار نسبيًّا رفعًا تكلفة الفرصة البديلة لحيازة أصل لا يدر عائدًا، وهو ما ساهم في تعرض الذهب لضغوط سعرية قوية.
ولفت شقير، إلى أن سعر الذهب انخفض من مستويات قريبة من 5600 دولار للأونصة في يناير إلى نحو 4000 دولار بنهاية يونيو، مسجلًا أحد أسوأ أرباعه منذ عام 2013، قائلًا: إن تيذر اختارت في هذا المناخ تسريع مشترياتها من الذهب، بعدما كانت قد اشترت 6 أطنان فقط خلال الربع الأول، موضحًا أن هذا السلوك المضاد للدورة يعكس قناعة بأن التصحيح السعري يخلق فرصة للتراكم الاستراتيجي.
وأضاف شقير، أن الذهب يمثل حاليًّا نحو 10 بالمئة من إجمالي احتياطيات الشركة البالغة قرابة 187.8 مليار دولار، في الوقت الذي خفضت فيه تيذر تعرضها للإقراض المضمون بنحو 2.38 مليار دولار، مع الحفاظ على موقعها كأحد أكبر المشترين الأفراد لسندات الخزانة الأمريكية.
وأوضح سامر شقير، أن الجمع بين استمرار التعرض لأدوات الدين السيادية الأمريكية وزيادة حيازة الذهب يعكس توجهًا نحو تنويع مكونات الاحتياطيات، بحيث لا تعتمد المحفظة بالكامل على أصول مالية قابلة للتأثر بالتغيرات في أسعار الفائدة أو الظروف الجيوسياسية أو القيود المفروضة على حركة رأس المال.
تحولات السوق وظهور المشترين غير التقليديين
وقال سامر شقير: إن البنوك المركزية لم تعد الجهة الوحيدة التي تشكل الطلب الهيكلي على الذهب، مشيرًا إلى أن السنوات الأخيرة شهدت ظهور مشترين غير تقليديين يمتلكون القدرة المالية على التأثير في سوق المعادن الثمينة.
وأوضح شقير، أن مشتريات تيذر تجاوزت في بعض الفترات مشتريات معظم البنوك المركزية الفردية، باستثناء حالات استثنائية مثل بولندا، مشيرًا إلى أنه عند مقارنة إجمالي حيازات الشركة ببعض الاحتياطيات السيادية، فإنها تقترب من مستويات دول متوسطة الحجم.
وأكد شقير، أن هذا التحول يحمل تداعيات مباشرة على توازن العرض والطلب في سوق الذهب، حيث تضيف المشتريات الخاصة بهذا الحجم طبقة جديدة من الطلب المستدام، خصوصًا عندما تتزامن مع استمرار البنوك المركزية في آسيا والشرق الأوسط في تعزيز حيازاتها من المعدن النفيس.
وأضاف شقير، أن توسع تيذر في منتجات مثل XAU₮، وهو الذهب المرمز، يفتح آفاقًا جديدة أمام تداول الأصول الحقيقية المرمزة RWA، بما يربط بين أسواق العملات المستقرة والسلع المادية بطريقة لم تكن متاحة للمستثمرين المؤسسيين قبل سنوات قليلة.
وقال شقير: "رأس المال المؤسسي بدأ يدرك أن الاستقرار النقدي لم يعد يرتبط حصرًا بالسيولة الفورية لسندات الخزانة، بل يتطلب مزيجًا من الأصول الصلبة القادرة على الصمود أمام دورات التضخم والقيود الجيوسياسية، تيذر تمارس عمليًّا ما كانت البنوك المركزية تمارسه تقليديًّا، لكن بسرعة أكبر وشفافية ربع سنوية".
وأشار شقير، إلى أن هذا التطور يستدعي توسيع نطاق تحليل سوق الذهب ليشمل تدفقات رأس المال الخاص الرقمي، إلى جانب مشتريات البنوك المركزية وصناديق الاستثمار التقليدية، خصوصًا أن قدرة الشركات المالية الرقمية الكبرى على تكوين احتياطيات مادية ضخمة يمكن أن تصبح عاملًا مؤثرًا في اتجاهات الطلب خلال السنوات المقبلة.
قراءة المستثمرين المؤسسيين وتخصيص رأس المال
وأوضح سامر شقير، أن التطورات الأخيرة تحمل بالنسبة لصناديق الثروة السيادية ومديري الأصول والصناديق الخاصة مجموعة من الإشارات المهمة بشأن مستقبل تخصيص رأس المال، قائلًا: إن أولى هذه الإشارات تتمثل في أن الطلب على الذهب لم يعد مدفوعًا فقط بالمخاوف التقليدية المرتبطة بالتضخم أو ضعف الدولار، بل أصبح مرتبطًا كذلك بمخاطر التفتت المالي والعقوبات والمخاطر الجيوسياسية المتزايدة.
وأضاف شقير، أن التطور الثاني يتمثل في قدرة الكيانات الرقمية الكبرى على بناء محافظ احتياطية تنافس في حجمها بعض الاحتياطيات الوطنية، وهو ما يغير ديناميكيات السيولة في سوق السبائك ويضيف إلى السوق مصدرًا جديدًا للطلب يمكن أن يكون أكثر استمرارية.
وأشار شقير، إلى أن الذهب يظل في بيئة أسعار الفائدة المرتفعة أو المستقرة عند مستويات مرتفعة عرضة لتحديات تكلفة الفرصة، إلا أن التراكم المستمر من جانب لاعبين مثل تيذر يخلق أرضية طلب هيكلية قد تحد من عمق التصحيحات المستقبلية.












