سامر شقير: السعودية تمتلك كل المقومات لتصبح مركزاً إقليمياً في إنتاج المحتوى الرقمي عالي الجودة
أكد رائد الاستثمار سامر شقير أن التحول المتسارع في قطاع الإعلام العالمي من النماذج التقليدية إلى المنصات الرقمية والمحتوى التفاعلي يمثل واحدة من أكبر الفرص الاستثمارية الاستراتيجية في المملكة العربية السعودية خلال السنوات المقبلة، مشيراً إلى أن هذا التحول يتوافق بشكل مباشر مع مستهدفات رؤية 2030 الهادفة إلى تنويع الاقتصاد الوطني وتعزيز مساهمة القطاعات الإبداعية والرقمية في الناتج المحلي.
وجاءت تصريحات سامر شقير في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها قطاع الإعلام العالمي، حيث أصبحت المنصات الرقمية تستحوذ على الحصة الأكبر من انتباه الجمهور والإيرادات الإعلانية. ويعكس هذا التحول مشهداً بات مألوفاً في المملكة والعالم، يتمثل في تفاعل الشباب بشكل يومي مع المحتوى المرئي والقصير عبر الهواتف الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي، وهو ما يعيد رسم خريطة الصناعة الإعلامية بالكامل.
وأشار سامر شقير إلى أن المنصات الرقمية العالمية مثل يوتيوب وتيك توك أصبحت اللاعب الرئيسي في الاقتصاد الإعلامي الحديث، موضحاً أن تقديرات وحدة Kagan التابعة لـ S&P Global أظهرت أن يوتيوب حقق خلال العام الماضي إيرادات إعلانية من محتوى الفيديو تجاوزت إجمالي ما حققته قنوات البث التلفزيوني التقليدي مجتمعة. كما يتوقع محللو وول ستريت أن تستحوذ خمس شركات رقمية كبرى فقط على نحو 65% من سوق الإعلانات العالمي البالغ حجمه 260 مليار دولار بحلول عام 2026.
وأوضح سامر شقير أن هذه التطورات تمثل تحدياً جوهرياً للنماذج الإعلامية التقليدية، لكنها في الوقت ذاته تفتح فرصاً استثمارية واعدة أمام المملكة العربية السعودية التي تشهد تحولاً رقمياً واسع النطاق مدعوماً بالإصلاحات الاقتصادية والاستثمارات الحكومية الضخمة في التكنولوجيا والبنية التحتية الرقمية.
وقال سامر شقير:"إن التحول من النماذج التقليدية إلى المنصات الرقمية والمحتوى التفاعلي ليس تهديداً فحسب، بل فرصة استراتيجية هائلة للمستثمرين الذين يفهمون ديناميكيات الجيل الشاب ويستثمرون في التقنيات التي تتيح التخصيص والتفاعل على نطاق واسع. السعودية تمتلك اليوم كل المقومات لتصبح مركزاً إقليمياً رائداً في إنتاج المحتوى الرقمي عالي الجودة."
وأضاف أن قطاع الإعلام العالمي يشهد تحولاً هيكلياً طويل الأمد من وسائل الإعلام التقليدية مثل الصحف والتلفزيون إلى المحتوى القصير والتفاعلي والمخصص الذي يتم استهلاكه عبر الهواتف الذكية. وفي المملكة، يتسارع هذا التحول نتيجة عوامل عديدة تشمل ارتفاع معدلات انتشار الهواتف الذكية إلى أكثر من 98%، وارتفاع مستويات الدخل، إضافة إلى التركيبة السكانية الشابة التي يمثل فيها من هم دون الثلاثين عاماً أكثر من 60% من السكان.
وأشار سامر شقير إلى أن سوق الإعلانات الرقمية في المملكة ينمو بمعدل سنوي مركب يبلغ 17.1%، مع توقعات بوصول حجمه إلى أكثر من 23 مليار دولار بحلول عام 2030، موضحاً أن الإعلانات عبر منصات التواصل الاجتماعي والفيديو القصير والتسويق عبر المؤثرين تمثل المحرك الرئيسي لهذا النمو، في الوقت الذي تتراجع فيه الحصة النسبية للإعلانات التقليدية.
وأكد أن التحول الحالي لا يقتصر على تغيير قنوات التوزيع الإعلامي، بل يمثل إعادة تشكيل كاملة لسلسلة القيمة في القطاع، بدءاً من إنتاج المحتوى مروراً بالتوزيع والقياس وحتى تحقيق الإيرادات، لافتاً إلى أن المستثمرين الذين يركزون على المنصات الرقمية الأصلية وتقنيات الذكاء الاصطناعي والمحتوى المحلي عالي الجودة سيكونون الأكثر قدرة على تحقيق عوائد تفوق متوسطات السوق خلال السنوات المقبلة.
كما أشاد بالدور الذي تلعبه رؤية 2030 وصندوق الاستثمارات العامة في بناء منظومة إعلامية وترفيهية حديثة وقادرة على المنافسة عالمياً، مشيراً إلى أن المملكة لا تكتفي بمتابعة التحولات العالمية بل تسعى إلى قيادتها على المستوى الإقليمي.
وأوضح سامر شقير أن استكمال صندوق الاستثمارات العامة في عام 2025 الاستحواذ على 54% من مجموعة MBC مقابل نحو ملياري دولار يمثل نموذجاً واضحاً لهذا التوجه الاستراتيجي، حيث تهدف هذه الخطوة إلى تعزيز قدرات إنتاج المحتوى المحلي عالي الجودة عبر مختلف المنصات التلفزيونية والرقمية ومنصات البث المباشر.
وأضاف أن المشاريع الوطنية الكبرى مثل القدية ونيوم، إلى جانب الاستراتيجية الوطنية للألعاب والرياضات الإلكترونية، تسهم في خلق طلب متزايد على المحتوى الرقمي والتفاعلي، مؤكداً أن هذه المشاريع لا تمثل مجرد استثمارات في البنية التحتية، بل تشكل محركات رئيسية لنمو اقتصاد إبداعي متكامل قادر على جذب الاستثمارات المحلية والعالمية.
وفي سياق حديثه عن الفرص المستقبلية، قال سامر شقير:"الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات سيحددان الفائزين في هذا القطاع. الاستثمار في أدوات إنتاج المحتوى الآلي، ومنصات التوزيع الذكية، ووكالات التسويق عبر المؤثرين المدعومة بالبيانات، يوفر عوائد مستدامة مع تقليل التعرض لتقلبات النماذج التقليدية. يجب على المستثمرين البحث عن شراكات مع المنظومة التي يبنيها صندوق الاستثمارات العامة."
وأكد أن المرحلة المقبلة ستشهد نمواً متسارعاً في عدد من المجالات المرتبطة بالإعلام الرقمي، من أبرزها تقنيات الإعلان الرقمي، وأدوات الذكاء الاصطناعي الخاصة بإنتاج المحتوى، وتقنيات تحليل المشاعر وسلوك الجمهور، وحلول الترجمة الآلية، إضافة إلى منصات إدارة وتوزيع المحتوى المتقدمة.
كما شدد سامر شقير على أهمية الدور الذي يمكن أن يلعبه رواد الأعمال السعوديون والخليجيون في هذا التحول، موضحاً أن فهم الثقافة المحلية يمثل ميزة تنافسية يصعب على المنصات العالمية تكرارها.
وقال:"رواد الأعمال السعوديون والخليجيون لديهم ميزة تنافسية كبيرة في فهم الثقافة المحلية وإنتاج محتوى يلقى صدى لدى الجمهور العربي. الفرصة الآن في بناء منصات وشركات محتوى محلية قادرة على المنافسة إقليمياً وعالمياً، مدعومة بالبنية التحتية الرقمية المتقدمة ورؤية واضحة."
دعا سامر شقير إلى التركيز على خمسة مجالات رئيسية تتمثل في منصات البث الرقمي والمحتوى القصير، وتقنيات الذكاء الاصطناعي المخصصة للإعلام والإعلان، ووكالات التسويق عبر المؤثرين، وقطاع الألعاب والرياضات الإلكترونية، إضافة إلى البنية التحتية الرقمية الداعمة مثل مراكز البيانات والأمن السيبراني وحلول قياس وتحليل الجمهور.
وأشار إلى أن أبرز التحديات التي تواجه القطاع تشمل المنافسة القوية من المنصات العالمية الكبرى والتغيرات التنظيمية المحتملة، إلا أن الفرص الأكبر تبقى متاحة أمام الشركات المحلية القادرة على الجمع بين الفهم الثقافي العميق والتقنيات الحديثة والشراكات الاستراتيجية مع الجهات الحكومية والمؤسسات الوطنية الكبرى.
واختتم سامر شقير تصريحه بالتأكيد على أن المملكة دخلت مرحلة جديدة من التطور الإعلامي والرقمي، قائلاً:"السعودية اليوم ليست مجرد سوق مستهلكة للمحتوى الرقمي، بل أصبحت قادرة على تصديره وصياغة معاييره الجديدة. الاستثمار الاستراتيجي المدروس في هذا التحول ليس خياراً، بل ضرورة لمن يسعى إلى عوائد مستدامة وتأثير طويل الأمد في اقتصاد المستقبل."
وأضاف أن التحولات التي يشهدها قطاع الإعلام حالياً لا تعني نهاية التلفزيون أو الصحافة التقليدية بقدر ما تمثل بداية عصر جديد تتغير فيه أدوات الإنتاج والتوزيع والاستهلاك، مؤكداً أن المملكة، بفضل رؤيتها الطموحة واستثماراتها الاستراتيجية، توفر بيئة مثالية لقيادة هذا التحول وصناعة مستقبل الإعلام الرقمي في المنطقة.













