الثلاثاء 11 أغسطس 2026 06:29 مـ 26 صفر 1448 هـ
بوابة أنا آدم
المدير العام منى باروما رئيس التحرير محمد الغيطي
×

سامر شقير: رأس المال الجريء في الشرق الأوسط يدخل مرحلة اختبار العوائد

الثلاثاء 11 أغسطس 2026 07:41 مـ 26 صفر 1448 هـ
سامر شقير
سامر شقير

قال سامر شقير، رائد الاستثمار: إن سوق رأس المال الجريء في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا يدخل مرحلة جديدة تتجاوز التركيز على حجم جولات التمويل ومعدلات نمو الشركات، لتضع في مقدمة أولوياتها القدرة على تحقيق عوائد فعلية، وبناء شركات قادرة على تحويل رأس المال المستثمر إلى إنتاجية وتدفقات نقدية وقيمة قابلة للتحقق.

وأوضح سامر شقير، أن سوق الشركات الناشئة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا شهد خلال الأسبوع الممتد من 3 إلى 7 أغسطس موجة من الصفقات التي تكشف تحولًا مهمًا في طريقة توزيع رأس المال، حيث ذهبت نحو 259 مليون دولار إلى شركات تجمع بين التكنولوجيا والبنية التحتية التشغيلية والذكاء الاصطناعي والرعاية الصحية، بالتزامن مع ظهور مؤشرات إضافية على أن دورة رأس المال الإقليمية بدأت تقاس بصورة متزايدة بقدرة المستثمرين على استرداد الأموال وتحقيق عوائد فعلية، وليس بحجم الجولات وحده.

وأشار سامر شقير، إلى أن صفقة Moove جاءت في مقدمة هذه التطورات، بعدما أغلقت الشركة جولة Series C بقيمة 250 مليون دولار عند تقييم بلغ 2.1 مليار دولار، بقيادة Mubadala Investment Company وبمشاركة Woven Capital وIon Pacific. وفي دبي، جمعت Longevium سبعة ملايين دولار لتطوير مختبر للذكاء الاصطناعي وأبحاث إطالة العمر، بينما أغلقت Rime في الرياض جولة Seed بأكثر من مليوني دولار لتطوير حلول Physical AI تعمل مباشرة داخل بيئات التشغيل.

وقال سامر شقير: إن هذه التطورات ترسم صورة أكثر تعقيدًا من مجرد أسبوع قوي للشركات الناشئة، موضحًا أن رأس المال المؤسسي في المنطقة أصبح أكثر انتقائية، مع تفضيل الشركات التي تمتلك بنية تشغيلية قابلة للتوسع، وإيرادات حقيقية، وارتباطًا واضحًا بتحولات اقتصادية طويلة الأجل مثل الذكاء الاصطناعي والأتمتة والسياحة والرعاية الصحية والاقتصاد الرقمي.

وأضاف شقير، أن رأس المال الجريء يُعيد تعريف مفهوم النمو، خصوصًا في ظل مرور سوق رأس المال الجريء العالمي بمرحلة أكثر انضباطًا مقارنة بفترة أسعار الفائدة المنخفضة التي سبقت عام 2022، موضحًا أن هذا التشدد لم يؤدِ في الشرق الأوسط إلى توقف التمويل، لكنه دفع المستثمرين إلى التركيز بصورة أكبر على جودة الأصول، وقدرة الشركات على الوصول إلى الربحية، وإمكانية خلق مسارات واضحة للتخارج.

وقال سامر شقير: إن الفرق من منظور تخصيص رأس المال جوهري، موضحًا أن السؤال الأساسي في مرحلة سابقة كان: كم تستطيع الشركة أن تنمو؟ بينما أصبح السؤال في المرحلة الحالية أكثر صرامة: ما مقدار رأس المال المطلوب للوصول إلى كل وحدة من النمو، ومتى يمكن تحويل ذلك النمو إلى تدفقات نقدية أو تخارج؟

وأشار شقير، إلى أن القراءة الاستثمارية المؤسسية لا تتعامل مع حجم الجولة باعتباره مؤشرًا مستقلًا على جودة الشركة، وإنما تركز على العلاقة بين رأس المال المستثمر، وكثافة الأصول، وسرعة التوسع، وجودة الإيرادات، والقدرة على خلق قيمة قابلة للتحقق.

وأوضح شقير، أن صفقة Moove تمثل أحد أوضح الأمثلة على تغير طبيعة رأس المال الذي يجذب المستثمرين الكبار، مشيرًا إلى أن الشركة التي تأسست في نيجيريا عام 2020 وأصبح مقرها في الإمارات، جمعت 250 مليون دولار في Series C عند تقييم 2.1 مليار دولار.

وقال شقير: إن الأهم في الصفقة ليس الرقم وحده، وإنما التحول الذي تشهده Moove من شركة تركز على تمويل المركبات لمشغلي خدمات النقل إلى منصة للبنية التشغيلية للمركبات ذاتية القيادة، بما يشمل ملكية الأساطيل، والشحن، والصيانة، وإدارة العمليات، والمنشآت المتخصصة التي تطلق عليها الشركة اسم Nests.

وأوضح شقير، أن هذه النقلة تفسر جزئيا دخول مستثمرين مؤسسيين مثل Mubadala وWoven Capital، ذراع النمو التابعة لـToyota، إلى الجولة، مشيرًا إلى أن المستثمر هنا لا يراهن فقط على نمو الطلب على النقل، وإنما على طبقة البنية التحتية التي ستحتاجها المركبات ذاتية القيادة حتى تعمل على نطاق تجاري.

وقال شقير: إن هذه النقلة تمثل درسًا أوسع في الاستثمار في التكنولوجيا، إذ إن القيمة لا تنتقل دائمًا إلى التطبيق أو النموذج البرمجي، ففي بعض التحولات التكنولوجية الكبرى تنتقل الحصة الأكبر من الاقتصاد إلى الشركات التي تملك الأصول والعمليات والقدرات التي تجعل التكنولوجيا قابلة للتوسع في العالم الحقيقي.

وأضاف شقير، أن هذه النقطة مهمة بالنسبة إلى المستثمر المؤسسي، فالذكاء الاصطناعي والمركبات ذاتية القيادة قد يبدوان كموضوعين تقنيين، لكن العائد الاستثماري قد يظهر في قطاعات أكثر تقليدية، من بينها البنية التحتية والطاقة ومراكز البيانات والصيانة والخدمات اللوجستية والتأمين والتمويل.

وفيما يتعلق بجولة Rime في الرياض، أوضح سامر شقير أن الجولة التي تجاوزت مليوني دولار تعكس تحولًا مختلفًا لكنه مرتبط بالاتجاه نفسه.

وقال شقير: إن أهمية نموذج Rime تتجاوز حجم التمويل، إذ تراهن الشركة على تحويل البنية التحتية الموجودة بالفعل داخل الشركات إلى طبقة ذكاء تشغيلي، بحيث يمكن للكاميرات التي كانت تؤدي وظيفة أمنية أو رقابية أن تصبح مصدرًا للقرارات التشغيلية، وهو تحول يمكن أن يقلل الحاجة إلى استثمارات رأسمالية ضخمة في البنية المادية.

وأشار شقير، إلى أن هذه الفكرة تتوافق بصورة مباشرة مع الأولوية السعودية للذكاء الاصطناعي، حيث أعلنت الحكومة السعودية عام 2026 عامًا للذكاء الاصطناعي، في إطار استراتيجية تستهدف تعزيز البنية التحتية للبيانات والقدرات الوطنية والاستثمار في التقنيات المتقدمة.

كما أن HUMAIN، التابعة لصندوق الاستثمارات العامة، تعمل على بناء منظومة متكاملة تشمل مراكز البيانات والبنية السحابية والنماذج والتطبيقات، وهو ما يعكس انتقال الذكاء الاصطناعي في المملكة من قطاع تقني منفصل إلى مكون من مكونات السياسة الاقتصادية والصناعية.

وقال سامر شقير: إن إحدى أهم فرص الاستثمار في السعودية تكمن في الشركات التي تستطيع ربط الذكاء الاصطناعي بقطاعات حقيقية مثل التجزئة والخدمات المالية والتصنيع واللوجستيات والرعاية الصحية، لأنها قد تمتلك مسارًا أكثر وضوحًا للإيرادات مقارنة بالشركات التي تبيع أدوات عامة دون ارتباط مباشر بميزانيات تشغيلية محددة.

وفي دبي، قال شقير: إن جولة Longevium البالغة سبعة ملايين دولار تضيف قطاعًا آخر إلى خريطة رأس المال الجديد، موضحًا أن الشركة التي تدير شبكة من العيادات في دبي بدأت تطوير مختبر للبحث والتطوير في Dubai Science Park، ومن المقرر افتتاحه في الربع الأخير من 2026.

وأوضح شقير، أن الاستثمار في هذا المجال يحمل في الوقت نفسه مستوى أعلى من المخاطر التنظيمية والعلمية، مشيرًا إلى أن القيمة المستقبلية لن تقاس فقط بعدد المرضى أو سرعة تطوير المنتجات، وإنما بقدرة الشركات على إثبات الفاعلية السريرية، وحماية البيانات، واجتياز الأطر التنظيمية، وتحويل البحث العلمي إلى منتجات ذات إيرادات قابلة للتوسع.

وأضاف شقير، أن ذلك يوضح تحولًا آخر في الاقتصاد الرقمي الخليجي، يتمثل في انتقال رأس المال من تطبيقات المستهلك التقليدية نحو قطاعات تتطلب مزيجًا من التكنولوجيا والبنية التحتية والبحث العلمي والتنظيم.

وقال شقير: إن جولات Moove وLongevium وRime تعكس شهية رأس المال للنمو، لكن صفقة BirdNest تقدم مؤشرًا على عنصر أكثر أهمية بالنسبة إلى صناعة الاستثمار المؤسسي، وهو القدرة على تحقيق السيولة.

وقال شقير: إن الأهم هو أن BirdNest ذكرت أن إيراداتها المقومة بالدولار نمت بأكثر من عشرة أضعاف خلال فترة الاستثمار، بالتزامن مع الوصول إلى الربحية.

وأوضح شقير، أن هذه النقطة ذات أهمية كبيرة للمستثمرين في الأسواق الناشئة، لأن النمو المقوم بالعملة المحلية لا يكفي بالضرورة لحماية عوائد المستثمر الأجنبي من مخاطر سعر الصرف، بينما يخلق نمو الإيرادات بالدولار مع الوصول إلى الربحية حماية أكبر للعائد، ويزيد من قابلية الشركة لجذب رأس مال جديد.

وأضاف سامر شقير، أن القيمة الحقيقية لصفقة BirdNest لا تكمن في مضاعف 3.5 مرة وحده، وإنما في الجمع بين النمو والربحية والسيولة الجزئية، قائلًا: إن التخارج الجزئي يسمح للمستثمر بإعادة جزء من رأس المال إلى الشركاء مع الاحتفاظ بالتعرض للصعود المستقبلي للشركة، وهو هيكل قد يصبح أكثر أهمية في أسواق لا تزال تعاني من محدودية خيارات الخروج.

وأشار شقير، إلى أن تطور سوق الشركات الناشئة السعودي أصبح جزءًا من تحول أوسع في هيكل الاقتصاد، موضحًا أن الاستثمار في رأس المال الجريء في المملكة ارتفع 25 مرة بين 2018 و2025، وفق بيانات تقرير رؤية 2030، بينما أصبح تمويل الشركات الناشئة أحد مكونات منظومة أوسع تشمل صناديق الاستثمار وبرامج تمويل الشركات الصغيرة والمتوسطة والبنية المؤسسية التي تدعم الابتكار، قائلًا: إن هذا يعني أن المنافسة بين مراكز الشركات الناشئة الخليجية لم تعد قائمة فقط على من يملك أكبر عدد من جولات التمويل، وإنما أصبحت المنافسة على جودة المنظومة نفسها، بما يشمل توفر رأس المال، وعمق المستثمرين، والقدرة على جذب المواهب، وسهولة التوسع، والبيئة التنظيمية، ووجود الشركات الكبرى كمشترين، وإمكانية الوصول إلى أسواق إقليمية.

وأوضح شقير، أن السعودية تملك ميزة واضحة في بعض هذه العناصر، خصوصًا عندما يتقاطع رأس المال الخاص مع الإنفاق الحكومي والاستثمارات السيادية في قطاعات الذكاء الاصطناعي والبنية الرقمية والتصنيع والسياحة.

وفي المقابل، تحتفظ الإمارات بميزة قوية في جذب الشركات الدولية ورأس المال العابر للحدود، وهو ما يظهر في انتقال شركات مؤسسة في أسواق ناشئة إلى دبي أو أبوظبي، ثم استخدام الخليج كقاعدة للتوسع العالمي.

وقال شقير: إن دخول Mubadala في Moove، إلى جانب الدور الأوسع لصندوق الاستثمارات العامة وHUMAIN في الذكاء الاصطناعي، يكشف تغيرًا في وظيفة رأس المال السيادي الخليجي.

وأوضح شقير، أن دوره لم يعد مقتصرًا على امتلاك حصص في شركات مدرجة أو تمويل مشاريع بنية تحتية تقليدية، وإنما أصبح جزءًا من عملية بناء صناعات جديدة، خصوصًا في المجالات التي تحتاج إلى رأسمال كبير وفترة زمنية طويلة للوصول إلى العوائد.

وقال سامر شقير: إن المستثمر المؤسسي لا ينبغي أن يسأل فقط عن حجم السوق المستهدف، بل عن موقع الشركة داخل سلسلة القيمة عندما ينضج السوق.

وأضاف شقير، أن الشركات التي تملك البنية التي يحتاجها الآخرون للتوسع قد تكون أكثر قدرة على الاحتفاظ بالقيمة من الشركات التي تعتمد على موجة طلب مؤقتة.

من الذكاء الاصطناعي إلى الاقتصاد الحقيقي

وأكد شقير، أن القاسم المشترك بين Moove وRime وLongevium ليس الذكاء الاصطناعي بحد ذاته، وإنما استخدامه لتحسين أصول وعمليات موجودة بالفعل.

وأوضح شقير، أنه في Moove يرتبط الذكاء الاصطناعي بالنقل والأساطيل والبنية التحتية، بينما يرتبط في Rime بالكاميرات والمستشعرات والعمليات داخل الفروع، وفي Longevium يرتبط بالبيانات السريرية والبحث الطبي، قائلًا: إن هذه هي المرحلة التي يمكن أن يتحول فيها الذكاء الاصطناعي من موضوع استثماري إلى محرك إنتاجية.

وأشار شقير، إلى أن هذا التحول مهم بالنسبة إلى اقتصادات الخليج، لأن القيمة الاقتصادية لا تأتي فقط من تأسيس شركات تقنية جديدة، وإنما من رفع إنتاجية قطاعات قائمة مثل السياحة والخدمات المالية والتصنيع واللوجستيات والرعاية الصحية.

وأضاف شقير، أن ذلك يفسر أيضًا لماذا أصبحت الشركات التي تجمع بين Software وInfrastructure أكثر جاذبية للمستثمرين المؤسسيين، موضحًا أن الحاجز التنافسي لا يكون دائمًا في النموذج البرمجي نفسه، وإنما في البيانات والعقود والبنية التشغيلية والتكامل مع العملاء والقدرة على تنفيذ الحل في آلاف المواقع.

وأكد سامر شقير، أن المرحلة المقبلة تبدو أكثر ملاءمة للمستثمرين القادرين على التمييز بين النمو المدعوم برأس المال والنمو الذي يخلق قيمة اقتصادية حقيقية.

وأوضح شقير، أن رأس المال الجيد لا يبحث بالضرورة عن أعلى معدل نمو، وإنما عن أفضل علاقة بين النمو والمخاطر واحتياج التمويل والقدرة على تحقيق عائد نهائي، قائلًا: إن هذه المعادلة تصبح أكثر أهمية عندما ترتفع تكلفة رأس المال ويصبح المستثمرون أقل استعدادًا لتمويل سنوات طويلة من الخسائر على أمل الوصول إلى سوق ضخمة مستقبلًا.

ومن هذه الزاوية، يمكن تقسيم الفرص الإقليمية إلى ثلاث طبقات، تشمل شركات تبني البنية التحتية للاقتصاد الرقمي، وشركات تستخدم الذكاء الاصطناعي لرفع إنتاجية قطاعات تقليدية، وشركات تمتلك نماذج أعمال قابلة للتوسع عبر الحدود.

وأوضح شقير، أن ذلك قد يوجه جزءًا أكبر من الاستثمار المؤسسي نحو الذكاء الاصطناعي التطبيقي، والبنية الرقمية، والأمن السيبراني، والخدمات المالية، واللوجستيات، والسياحة، وHealthTech وPropTech، بدلًا من التركيز الحصري على تطبيقات المستهلك.

موضوعات متعلقة