سامر شقير: ارتفاع أسعار الساحل الشمالي يُعيد رسم خريطة تخصيص الأصول العقارية في مصر
أكَّد رائد الاستثمار سامر شقير، أنَّ القفزة القياسية في أسعار العقارات الفاخرة بالساحل الشمالي المصري، مع اقتراب سعر المتر في بعض المشروعات المطلة مباشرة على البحر من مليون جنيه ووصول قيمة بعض الفيلات إلى نحو 800 مليون جنيه، تعكس تحولًا هيكليًّا في طبيعة الطلب على العقارات الساحلية، وتعيد رسم خريطة الاستثمار العقاري في مصر والمنطقة.
وأوضح سامر شقير، أن الارتفاعات الحالية لا يمكن تفسيرها باعتبارها حركة موسمية مؤقتة فقط، وإنما تأتي نتيجة تداخل مجموعة من العوامل الاقتصادية والاستثمارية، في مقدمتها ندرة الأراضي والواجهات البحرية المميزة، وارتفاع تكاليف البناء، وتدفقات رأس المال الخليجي، وتحسن البنية التحتية، إلى جانب اتجاه المستثمرين إلى العقارات باعتبارها مخزنًا للقيمة في مواجهة التضخم وتقلبات العملة.
وقال سامر شقير: "نحن أمام إعادة تسعير هيكلي لفئة أصول نادرة، ندرة الواجهات البحرية المميزة، مقترنة بتحسن البنية التحتية وربط المنطقة بشبكة الطرق والمطارات، تحول هذه المشاريع من أصول استهلاكية إلى أصول استثمارية ذات خصائص مشابهة للعقارات الفاخرة في أسواق أكثر نضجًا".
وأشار سامر شقير، إلى أن الساحل الشمالي شهد خلال السنوات الأخيرة تحولًا من وجهة اصطياف تقليدية إلى محور استثماري مدعوم بمشروعات كبرى مثل رأس الحكمة والعلمين الجديدة، وهو ما انعكس على مستويات الأسعار وحجم الطلب المحلي والخارجي.
وأوضح شقير، أن موجة ارتفاع الأسعار ترتبط بمجموعة من العوامل الاقتصادية المتراكمة، من بينها سلسلة تخفيضات قيمة الجنيه منذ عام 2022، والتي دفعت المدخرين والمستثمرين إلى البحث عن أصول قادرة على الاحتفاظ بالقيمة، خصوصًا العقارات المقومة بالجنيه والتي يمكن سداد قيمتها على أقساط طويلة الأجل.
وأضاف شقير، أن ارتفاع تكاليف البناء والمواد والطاقة أدى إلى زيادة تكلفة التنفيذ لدى كبار المطورين بنسب تتراوح بين 20% و25% خلال العام الماضي، وهو ما انعكس على أسعار البيع النهائية، إلى جانب محدودية الأراضي المتاحة في المواقع الساحلية الأكثر تميزًا.
وأشار شقير، إلى أن الطلب الخارجي يمثل عاملًا إضافيًّا في إعادة تشكيل السوق، خصوصًا مع زيادة اهتمام المستثمرين من دول الخليج بالمشروعات الساحلية المصرية، مدفوعًا بمشروعات استراتيجية واستثمارات كبيرة في مناطق مثل رأس الحكمة والعلمين وعلم الروم.
وقال شقير: إن دخول رؤوس الأموال الخليجية إلى السوق العقاري الساحلي المصري يعيد تشكيل هيكل الطلب، بعدما لم يعد المشترون المحليون يمثلون القوة الوحيدة المحركة للسوق، موضحًا أن المستثمرين الإقليميين ينظرون إلى العقارات المصرية الساحلية باعتبارها فرصة لتنويع المحافظ والاستفادة من النمو السكاني والسياحي في أكبر سوق عربي من حيث عدد السكان، مؤكدًا أن هذا التحول يرفع أهمية التحليل المؤسسي للسوق، خصوصًا فيما يتعلق بمخاطر العملة والسيولة والتنظيم ودورة رأس المال.
وقال سامر شقير: "تخصيص رأس المال هنا يتطلب قراءة دقيقة لدورة السيولة، العوائد الرأسمالية مرتفعة حاليًّا، لكن السيولة الثانوية لا تزال محدودة مقارنة بأسواق مثل دبي أو الرياض، وهذا يفرض انضباطًا في أحجام المراكز وآجال الاستثمار".
وأوضح شقير، أن ارتفاع الأسعار لا يعني أن جميع المشروعات الساحلية تتمتع بدرجة المخاطر نفسها، مشيرًا إلى ضرورة التمييز بين المشروعات التي تتمتع بمواقع استراتيجية وواجهات بحرية مباشرة، وتلك التي تعتمد بدرجة أكبر على المضاربة قصيرة الأجل أو الطلب الموسمي.
وأضاف شقير، أن المطورين العقاريين أجروا خلال الفترة الماضية تعديلات على طبيعة المنتجات المطروحة لمواجهة ارتفاع الأسعار والحفاظ على القدرة الشرائية، حيث أصبحت الوحدات الأصغر حجمًا تشكل نسبة أكبر من الطروحات الجديدة، مع تمديد فترات السداد إلى سبع أو ثماني سنوات في المتوسط.
ويرى شقير، أن هذه التغيرات تعكس محاولة لتحقيق توازن بين الحفاظ على مستويات سعر المتر وهوامش الربحية من جهة، والحفاظ على التدفقات النقدية والقدرة الشرائية للمشترين من جهة أخرى.
وأشار شقير، إلى أن هذا التحول سيكون مهمًا للمستثمرين المؤسسيين، لأن زيادة الإشغال على مدار العام تعني تحسن استخدام الأصول وارتفاع احتمالات توليد إيرادات تشغيلية مستدامة، بدلًا من الاعتماد فقط على ارتفاع أسعار إعادة البيع.
وأشار شقير، إلى أن التركيز الشديد على الشريحة الفاخرة يمكن أن يؤدي إلى تضييق قاعدة المشترين المحتملين على المدى المتوسط، خصوصًا إذا أصبحت الأسعار غير متناسبة مع مستويات الدخل والقدرة التمويلية في السوق المحلية.
وقال شقير: "المستثمر المؤسسي الذكي لا يشتري الساحل الشمالي كفئة واحدة، يميز بين المشروعات ذات الواجهة البحرية المباشرة والمدعومة بمطورين أقوياء ماليًّا، وبين تلك التي تعتمد على المضاربة قصيرة الأجل، الحوكمة وجودة التنفيذ وخطط التسليم أصبحت معايير أساسية لا تقل أهمية عن الموقع".
وأكد شقير، أن جودة المطور وقدرته المالية أصبحت من أهم محددات المخاطر في السوق، خصوصًا مع ارتفاع تكاليف التنفيذ وطول فترات السداد، موضحًا أن قدرة المطور على استكمال المشروع في المواعيد المحددة وتوفير الخدمات والبنية التحتية تمثل جزءًا أساسيًّا من القيمة الاستثمارية للأصل.
وأشار شقير، إلى أن السوق المصري يوفر للمستثمرين الإقليميين فرصة للتعرض إلى قطاع السياحة والعقارات الترفيهية في سوق كبير، مع وجود فرص للنمو مرتبطة بزيادة عدد السكان وتوسع السياحة وتطوير البنية التحتية.
وفي الوقت نفسه، أكد شقير ضرورة التعامل مع مخاطر العملة والتنظيم والسيولة باعتبارها عناصر أساسية في أي قرار استثماري، خصوصًا بالنسبة للمستثمرين المؤسسيين الذين يقارنون بين الأسواق المختلفة على أساس العائد المعدل بالمخاطر.
ويرى شقير، أن المستثمرين المرتبطين باستراتيجيات التنويع الاقتصادي في الخليج يمكن أن يجدوا فرصًا في السوق العقاري الساحلي المصري، لكن بشرط إجراء تقييم دقيق لمستويات الأسعار ودورة السيولة وجودة الأصول والمطورين.
وعلى مستوى التوقعات، يرجح شقير استمرار ارتفاع الأسعار في الشريحة الفاخرة خلال المدى المتوسط، مدفوعة بندرة العرض واستمرار التدفقات الاستثمارية، وإن كان من المتوقع أن تكون معدلات الزيادة أكثر اعتدالًا مقارنة بالموجة القوية التي شهدها السوق خلال الفترة من 2023 إلى 2025.
وأشار شقير، إلى أن السوق قد يشهد مزيدًا من التمايز بين المشروعات، بحيث تتفوق الأصول التي تجمع بين الموقع المتميز والخدمات المتكاملة وجودة التنفيذ والقدرة على جذب الإشغال على مدار العام، مؤكدًا أن هذا التمايز سيجعل المستثمرين أكثر انتقائية، وأن ارتفاع أسعار السوق ككل لن يعني بالضرورة ارتفاع قيمة جميع المشروعات بالمعدل نفسه.
وقال سامر شقير: "العقار الساحلي المصري لم يعد مجرد قصة نمو محلية، أصبح جزءًا من معادلات تخصيص رأس المال الإقليمية، النجاح سيحالف مَن يتعامل معه كأصل استراتيجي طويل الأجل، لا كفرصة مضاربة موسمية".
وأوضح شقير، أن هذه الرؤية تعني أن المستثمر المؤسسي يجب أن يتعامل مع العقار الساحلي من خلال نموذج متكامل يأخذ في الاعتبار الموقع، وجودة المطور، وتوقيت التسليم، والطلب الفعلي، والإيرادات المحتملة، والسيولة الثانوية، وتكلفة التمويل، ومخاطر العملة، بدلًا من الاعتماد على توقعات ارتفاع الأسعار فقط.
وأشار شقير، إلى أن التحول الجاري في الساحل الشمالي يمكن أن يعيد رسم خريطة الاستثمار العقاري في مصر، خصوصًا مع توسع المشروعات الكبرى وتحسن البنية التحتية وزيادة الاستثمارات الفندقية وتنامي اهتمام المستثمرين الخليجيين.
وأضاف شقير، أن تحول بعض مناطق الساحل إلى مراكز قادرة على استقطاب السكان والزوار على مدار العام يمكن أن يمثل نقطة تحول في تقييم الأصول، لأنه ينقلها تدريجيًّا من نموذج العقار الموسمي إلى نموذج الأصول العقارية ذات الاستخدام والاستفادة المستمرة.
وأكد شقير، أن نجاح هذا التحول سيعتمد على قدرة المطورين والحكومة والمستثمرين على استكمال البنية التحتية والخدمات، وتطوير وسائل النقل، وتعزيز قطاع الضيافة، وخلق أنشطة اقتصادية تتجاوز الموسم الصيفي.
واختتم سامر شقير بالتأكيد على أن القفزة الكبيرة في أسعار الساحل الشمالي تمثل فرصة استثمارية مهمة، لكنها في الوقت نفسه تفرض درجة أعلى من الانضباط في تخصيص رأس المال، خصوصًا بعد الارتفاعات الكبيرة التي شهدتها الأسعار خلال السنوات الماضية.













